spot_img

ذات صلة

جمع

المنتخب المغربي إلى مونديال 2026 بكتيبة محترفين عالمية

يواصل المنتخب المغربي ترسيخ مكانته كواحد من أكثر المنتخبات...

آيفون 18 قد يكون الأكثر طموحا في تاريخ آبل.. إليك أبرز التسريبات

رغم أن Apple لم تكشف رسميا بعد عن سلسلة “آيفون 18”،...

المغرب يرسخ موقعه كقوة صاعدة في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر

يشهد المغرب تسارعًا لافتًا في مسار التحول الطاقي، وسط...

“لا توجد سوى 4 قوى عظمى”.. قراءة تعيد تعريف موازين النفوذ في العالم

تحت عنوان لافت: “لا توجد سوى أربع قوى عظمى”،...

الأمن الوطني والانتقال الرقمي يسرعان تحديث “الشرطة الخدماتية” بالمغرب

دخلت المديرية العامة للأمن الوطني ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح...

من الموانئ إلى الخوارزميات.. كيف تحولت مراكز البيانات إلى البنية التحتية الجديدة للقوة العالمية؟

لم تعد مراكز البيانات مجرد منشآت تقنية تُستخدم لتخزين المعلومات وتشغيل التطبيقات الرقمية، بل بدأت تتحول تدريجيا إلى بنية تحتية استراتيجية تعادل في أهميتها الموانئ والمطارات وخطوط الطاقة، مع تسارع الاعتماد العالمي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والخدمات الرقمية.

وخلال السنوات الأخيرة، دخلت القوى الاقتصادية الكبرى سباقا متسارعا لبناء مراكز بيانات عملاقة قادرة على استيعاب الطلب الهائل على المعالجة والتخزين وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، التي تحتاج إلى قدرات حوسبة واستهلاك كهربائي غير مسبوقين. وأصبحت الدول تتنافس اليوم على جذب هذه المنشآت كما كانت تتنافس سابقا على الموانئ البحرية والمناطق الصناعية وشبكات التجارة الدولية.

وأظهر تقرير حديث حول أسواق مراكز البيانات العالمية أن القطاع يتجه نحو واحدة من أكبر دورات الاستثمار في البنية التحتية الرقمية خلال العقود الأخيرة، مع توقع إضافة نحو 100 غيغاواط من القدرات الجديدة بين 2026 و2030، وهو ما سيؤدي عمليا إلى مضاعفة حجم القطاع عالميا خلال خمس سنوات فقط.

ويشير التقرير إلى أن مراكز البيانات العالمية قد تصل إلى قدرة إجمالية تناهز 200 غيغاواط بحلول 2030، مدفوعة بالنمو السريع للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، مع معدل نمو سنوي مركب يناهز 14 في المائة. كما يتوقع أن تصل الاستثمارات المرتبطة بالقطاع إلى نحو 3 تريليونات دولار خلال السنوات المقبلة، تشمل البنية العقارية والطاقة والتجهيزات الحاسوبية والخوادم والرقائق الإلكترونية.

ولم تعد هذه المنشآت مجرد فضاءات تقنية خلفية تدير الإنترنت والخدمات الرقمية، بل أصبحت جزءا من الأمن الاقتصادي والسيادة الرقمية للدول، خصوصا مع تحول البيانات إلى مورد استراتيجي لا يقل أهمية عن النفط أو المعادن الحيوية.

وتقود الولايات المتحدة حاليا أكبر موجة استثمارات عالمية في هذا القطاع، إذ تستحوذ الأمريكيتان على نحو 50 في المائة من القدرة العالمية لمراكز البيانات، مع توقعات بنمو سنوي يصل إلى 17 في المائة حتى 2030، بينما تمثل الولايات المتحدة وحدها نحو 90 في المائة من قدرة المنطقة.

وتعكس المشاريع الجديدة حجم التحول الجاري داخل الاقتصاد الرقمي العالمي. ففي مدينة ممفيس الأمريكية، يجري تطوير “Colossus”، وهو الحاسوب العملاق التابع لشركة xAI المملوكة لإيلون ماسك، داخل مصنع سابق لشركة Electrolux. وفي ولاية أوهايو، تبني شركة Meta مجمعا ضخما لمراكز البيانات يحمل اسم “Prometheus”، بمساحة تقارب حجم جزيرة مانهاتن.

لكن هذه الطفرة الرقمية العملاقة تأتي بكلفة طاقية هائلة. فبحسب معطيات وكالة الطاقة الدولية، استحوذت مراكز البيانات خلال 2024 على نحو 4 في المائة من إجمالي الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة، باستهلاك بلغ 416 تيراواط/ساعة، أي ما يقارب استهلاك فرنسا بالكامل خلال العام نفسه. وتؤكد معظم التوقعات أن هذا الاستهلاك مرشح للارتفاع بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة مع توسع مشاريع الذكاء الاصطناعي.

وأصبحت الطاقة اليوم العامل الأكثر حسما في اختيار مواقع مراكز البيانات الجديدة. فبعدما كان الموقع الجغرافي وقرب المستخدمين هما المعيارين الأساسيين، باتت شركات التكنولوجيا تبحث عن مصادر كهرباء مستقرة، وطاقة متجددة، وقدرة على الربط السريع بالشبكات، إضافة إلى بيئة تنظيمية مرنة.

وفي هذا السياق، يشير تقرير “Global Data Center Market Comparison 2026” إلى أن العالم دخل مرحلة “النمو المُدار” لمراكز البيانات، بعدما أصبحت قيود الطاقة، وصعوبة الحصول على الأراضي، وتعقيد الرخص، والقبول المجتمعي عوامل حاسمة في تحديد أماكن التوسع المستقبلي.

ويؤكد التقرير أن أوروبا تواجه ضغوطا متزايدة في هذا المجال، إذ يبلغ متوسط مدة انتظار الربط الكهربائي لمشاريع مراكز البيانات الكبرى نحو 5.2 سنوات، مقارنة بـ2.7 سنة فقط في آسيا. كما بدأت مدن أوروبية تقليدية مثل فرانكفورت ولندن ودبلن تواجه محدودية في الأراضي والطاقة، ما يدفع المستثمرين نحو مدن بديلة مثل هلسنكي وأوسلو ومدريد وستوكهولم.

وفي المقابل، بدأت شركات التكنولوجيا العملاقة تبحث عن حلول غير تقليدية لتجاوز أزمة الطاقة والانبعاثات. بعض المشاريع يتجه نحو تشغيل مراكز البيانات بالغاز الطبيعي، بينما تستثمر شركات أخرى في الطاقة النووية أو مشاريع الطاقة المتجددة الخاصة بها.

كما ظهرت توجهات أكثر غرابة، من بينها مشاريع لإنشاء مراكز بيانات في الفضاء أو تحت الأرض أو داخل ملاجئ نووية قديمة. ففي ديسمبر 2025، كشف المدير التنفيذي لشركة Google، سوندار بيتشاي، عن مشروع “Suncatcher”، الذي يهدف إلى إنشاء مراكز بيانات فضائية بحلول 2027 لتقليص البصمة الكربونية للشركة. وبعده بأسابيع، تحدث إيلون ماسك عن إمكانية تطوير مركز بيانات مداري في الفضاء ضمن مشاريع xAI وSpaceX.

وفي أوروبا وآسيا، يجري تحويل ملاجئ نووية ومناجم قديمة وكهوف تحت الأرض إلى مراكز بيانات، مستفيدة من درجات الحرارة المنخفضة التي تقلل كلفة التبريد واستهلاك الطاقة.

وفي فنلندا والسويد وبعض المدن الأوروبية، بدأت مراكز البيانات تُستخدم أيضا كمصدر للتدفئة الحضرية، عبر إعادة توظيف الحرارة الناتجة عن الخوادم لتدفئة الأحياء السكنية والمسابح العمومية.

هذا التحول يعكس حقيقة جديدة: مراكز البيانات لم تعد مجرد بنية رقمية، بل أصبحت جزءا من منظومات الطاقة والعقار والنقل والتخطيط الحضري وحتى الأمن القومي.

ويشير التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يمثل بحلول 2030 نحو نصف الأحمال التشغيلية داخل مراكز البيانات، بعدما كان لا يمثل سوى ربعها تقريبا في 2025. كما يتوقع أن تتحول تطبيقات “Inference” المرتبطة باستخدام النماذج الذكية من قبل المستخدمين إلى المحرك الرئيسي للنمو، بدلا من عمليات تدريب النماذج نفسها.

وهذا يعني أن الطلب المستقبلي لن يتركز فقط في مراكز بيانات مركزية ضخمة، بل سيتجه أيضا نحو إنشاء مراكز إقليمية موزعة جغرافيا لتقليل زمن الاستجابة وتحسين أداء تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وبالتوازي مع هذا التوسع، يشهد قطاع مولدات الطاقة الخاصة بمراكز البيانات نموا متسارعا. ووفق تقرير متخصص حول سوق مولدات مراكز البيانات، يُتوقع أن يرتفع حجم هذا السوق من 9.5 مليارات دولار في 2025 إلى نحو 19.7 مليار دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي يتجاوز 8 في المائة.

ويؤكد التقرير أن مولدات الديزل لا تزال تستحوذ على الحصة الأكبر من السوق بسبب موثوقيتها العالية، لكنها تواجه ضغوطا بيئية متزايدة، في وقت ترتفع فيه الاستثمارات في المولدات الغازية والهجينة والحلول المرتبطة بالطاقة المتجددة.

كما تتوسع المنافسة العالمية حول هذا القطاع بين شركات كبرى مثل Caterpillar وCummins وABB وMitsubishi، في ظل تصاعد الطلب على أنظمة الطاقة الاحتياطية التي تضمن استمرارية تشغيل مراكز البيانات حتى في حالات انقطاع الكهرباء أو الضغط على الشبكات.

وفي آسيا، تتوسع الصين بسرعة داخل هذا القطاع مدفوعة بخطط الحكومة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية، بينما تستثمر اليابان وكوريا الجنوبية والهند بمليارات الدولارات لتطوير البنية التحتية الرقمية وربطها بشبكات الجيل الخامس والحوسبة السحابية.

أما في الخليج، فتسعى السعودية والإمارات إلى التحول إلى مراكز إقليمية للبيانات والذكاء الاصطناعي، مستفيدة من الطاقة والاستثمارات السيادية والبنية التحتية الحديثة، في وقت تحاول فيه إفريقيا أيضا دخول السباق عبر مشاريع رقمية مرتبطة بالكابلات البحرية والخدمات السحابية.

وفي خضم هذا التحول العالمي، يبرز سؤال جديد: هل ستصبح مراكز البيانات معيار القوة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين؟

فكما كانت الدول خلال القرن الماضي تتنافس على النفط والموانئ وخطوط التجارة البحرية، يبدو أن العالم يتجه اليوم نحو منافسة مختلفة تقوم على البيانات والخوارزميات والطاقة والقدرة الحاسوبية.

وفي هذا التحول، لم تعد القوة تقاس فقط بالمصانع أو الموارد الطبيعية أو عدد السكان، بل أيضا بالقدرة على استضافة البيانات وتشغيل الذكاء الاصطناعي والتحكم في البنية الرقمية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي الجديد.


spot_imgspot_img