لم تعد بطاريات الهواتف والحواسيب المحمولة مجرد تفاصيل إلكترونية عادية داخل حقائب المسافرين، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات التي تثير قلق شركات الطيران وسلطات السلامة الجوية حول العالم، بعد تزايد الحوادث المرتبطة ببطاريات الليثيوم داخل الطائرات.
ووفق ما نشره موقع “Simple Flying” المتخصص في أخبار الطيران، عادت هذه القضية إلى الواجهة مجددا بعدما شددت عدة شركات طيران آسيوية وأوروبية إجراءات حمل البطاريات المحمولة “Power Banks”، في ظل تنامي المخاوف من ارتفاع حرارة بعض البطاريات أو اشتعالها داخل المقصورات الجوية.
ورغم أن الحوادث لا تزال محدودة مقارنة بعدد الرحلات الجوية اليومية حول العالم، إلا أن طبيعة الخطر داخل الطائرة تجعل أي حادث صغير قادرا على التحول إلى تهديد خطير على سلامة الركاب والطواقم، خصوصا على ارتفاع يفوق عشرة آلاف متر.
وتعتمد معظم الهواتف الذكية والحواسيب والأجهزة المحمولة حاليا على بطاريات الليثيوم أيون، وهي بطاريات تتميز بخفة الوزن والقدرة العالية على تخزين الطاقة، لكنها في المقابل قد تصبح غير مستقرة في حالات معينة، مثل:
- التلف الداخلي،
- الشحن الزائد،
- التعرض للحرارة،
- أو استخدام شواحن غير مطابقة للمعايير.
وفي بعض الحالات، قد تدخل البطارية فيما يعرف بظاهرة “الانفلات الحراري”، وهي سلسلة تفاعلات تؤدي إلى ارتفاع سريع في الحرارة قد ينتج عنه دخان أو حريق أو انفجار صغير.
وتزداد حساسية هذه المخاطر داخل الطائرات بسبب الضغط الجوي المحدود، والمساحات المغلقة، وصعوبة التعامل مع النيران أو الدخان في الجو مقارنة بالأرض.
ولهذا السبب، تمنع معظم شركات الطيران وضع بطاريات الليثيوم الاحتياطية داخل الأمتعة المشحونة في عنبر الطائرة، وتفرض حملها داخل المقصورة فقط، حتى يتمكن الطاقم من التدخل بسرعة إذا ظهرت أي مؤشرات خطر.
وبحسب تقارير صادرة عن هيئات الطيران المدني الأمريكية والأوروبية، فإن الحوادث المرتبطة ببطاريات الليثيوم شهدت ارتفاعا تدريجيا خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تضاعف عدد الأجهزة الإلكترونية التي يحملها المسافرون يوميا.
وفي الولايات المتحدة مثلا، تسجل إدارة الطيران الفيدرالية FAA عشرات الحوادث المرتبطة ببطاريات الليثيوم كل عام، تتراوح بين دخان خفيف وارتفاع حرارة واشتعال محدود داخل الطائرات أو المطارات.
هذا التطور دفع شركات طيران ومطارات حول العالم إلى تحديث بروتوكولات السلامة الخاصة بالأجهزة الإلكترونية، كما أصبح أفراد الطواقم الجوية يتلقون تدريبات خاصة للتعامل مع حرائق البطاريات داخل المقصورات.
وتشمل هذه التدريبات:
- استخدام أكياس مقاومة للحريق،
- تبريد البطاريات بالماء أو السوائل الخاصة،
- عزل الأجهزة المشتعلة،
- ومراقبة أي هاتف أو حاسوب تظهر عليه حرارة غير طبيعية.
المثير أن الخطر لا يرتبط دائما بالأجهزة الكبيرة، بل أحيانا ببطاريات رخيصة أو مقلدة تباع عبر الإنترنت أو الأسواق غير المنظمة، حيث تفتقر بعض هذه المنتجات إلى أنظمة الحماية الحرارية الأساسية.
ولهذا تنصح سلطات الطيران بعدم استخدام:
- بطاريات مجهولة المصدر،
- أو شواحن غير أصلية،
- أو أجهزة تعرضت لصدمات قوية أو انتفاخ واضح.
ومع توسع استخدام الأجهزة الذكية عالميا، يتوقع خبراء الطيران أن تتحول قضية البطاريات إلى أحد أهم تحديات السلامة الجوية خلال السنوات المقبلة، خصوصا مع ارتفاع عدد المسافرين واعتماد الناس المتزايد على الهواتف والحواسيب والساعات الذكية أثناء السفر.
لكن الملف يتجاوز الطيران وحده.
فالقلق العالمي المتزايد من بطاريات الليثيوم يعكس أيضا الوجه الآخر للتحول الرقمي والاقتصاد الكهربائي العالمي، حيث أصبحت البطاريات في قلب:
- الهواتف،
- السيارات الكهربائية،
- مراكز البيانات،
- والطاقة المتجددة.
وهذا ما يفسر التنافس الدولي المتصاعد على المعادن الاستراتيجية المرتبطة بصناعة البطاريات، مثل:
- الليثيوم،
- الكوبالت،
- النيكل،
- والغرافيت.
وفي هذا السياق، تبدو قضية سلامة البطاريات داخل الطائرات مجرد جزء صغير من معركة أكبر تدور حول مستقبل الطاقة والتكنولوجيا والصناعة عالميا.
ومع استمرار توسع الاقتصاد الرقمي، قد يصبح السؤال مستقبلا ليس فقط: “كم تدوم البطارية؟” بل أيضا: “إلى أي حد أصبحت البطاريات جزءا من الأمن والسلامة والبنية التحتية للحياة الحديثة؟”


