تعيش الجماهير العربية خلال كأس العالم 2026 تجربة مختلفة وغير مسبوقة، ليس فقط بسبب المشاركة التاريخية لثمانية منتخبات عربية في النهائيات، بل أيضا بسبب التحديات التي فرضها فارق التوقيت مع دول أمريكا الشمالية المستضيفة للمنافسات، ما أعاد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: إلى أي حد يمكن لعشاق كرة القدم التضحية بعاداتهم اليومية من أجل المونديال؟
فبعد نسختي كأس العالم روسيا 2018 وكأس العالم قطر 2022، اللتين استفادت فيهما الجماهير العربية من توقيت مريح نسبيا، يجد الملايين أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تفرضه استضافة الولايات المتحدة وكندا والمكسيك للمنافسات، حيث ستنطلق العديد من المباريات بعد منتصف الليل أو في ساعات الفجر الأولى بتوقيت الدول العربية.
وبات السؤال الأكثر تداولا بين المشجعين العرب: “متى ستلعب المباراة بتوقيتنا؟”، بعدما تحول فارق التوقيت من مجرد تفصيل تقني يهم القنوات الناقلة والمعلنين، إلى عنصر مؤثر في عادات الفرجة اليومية للجماهير.
وبالنسبة للمغاربة، تبدو الصورة أقل تعقيدا نسبيا مقارنة ببعض الدول العربية الأخرى، إذ تنطلق مباريات المنتخب المغربي أمام البرازيل واسكتلندا وهايتي عند الساعة الحادية عشرة ليلا بتوقيت المملكة، وهو توقيت يبقى متأخرا لكنه يظل قابلا للتعايش بالنسبة لجمهور اعتاد خلال السنوات الأخيرة تحويل مباريات “أسود الأطلس” إلى لحظات جماعية استثنائية داخل المقاهي والفضاءات العامة.
غير أن تجربة مونديال أمريكا تبدو مختلفة عن أجواء قطر 2022، حيث كانت المباريات تُلعب في توقيت مثالي تقريبا للجماهير المغربية والعربية. أما اليوم، فالكثير من المشجعين قد يجدون أنفسهم مضطرين لمتابعة المباريات من المنازل بدل المقاهي بسبب ساعات البث المتأخرة.
ورغم ذلك، تبدو الجماهير المغربية مستعدة لقضاء ليال بيضاء من أجل المنتخب الوطني، ليس فقط أملا في تكرار إنجاز قطر، بل أيضا من أجل استعادة تلك اللحظات الجماعية التي وحدت الشارع المغربي والعربي خلال المونديال الأخير.
وفي المقابل، تبدو جماهير المنتخب الأردني من بين الأكثر تضررا من عامل التوقيت، خصوصا أن المنتخب الأردني سيخوض مبارياته في أول مشاركة مونديالية له عند ساعات مبكرة جدا من الصباح، تصل إلى الخامسة والسادسة والسابعة صباحا بتوقيت عمان.
ووصل تأثير المونديال إلى المؤسسات الرسمية، بعدما قررت الحكومة الأردنية تأخير موعد بداية العمل خلال أيام مباريات “النشامى”، بهدف تمكين المواطنين من متابعة المنتخب الوطني في مشاركته التاريخية.
كما تواجه جماهير المنتخب المصري والمنتخب الجزائري والمنتخب التونسي والمنتخب السعودي تحديات مشابهة، مع برمجة عدد من المباريات في ساعات الفجر الأولى، وهو ما بدأ يثير نقاشات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي حول إمكانية تأخير الدوام أو منح تسهيلات استثنائية خلال أيام المباريات.
وفي المقابل، يبدو وضع الجماهير القطرية والعراقية أفضل نسبيا، بعدما جاءت مواعيد مباريات منتخبيهما أكثر ملاءمة مقارنة ببقية المنتخبات العربية.
لكن خلف تفاصيل التوقيت والسهر، تكشف هذه النسخة من كأس العالم عن تحول مهم في علاقة الجماهير العربية بالمونديال. فوجود ثمانية منتخبات عربية للمرة الأولى يمنح البطولة بعدا عاطفيا وجماهيريا غير مسبوق داخل المنطقة، ويجعل المتابعة تتجاوز مجرد مشاهدة مباريات كرة القدم نحو لحظة جماعية يعيشها الشارع العربي بكل تفاصيلها.
ولهذا، يبدو أن الجماهير العربية مستعدة هذه المرة للتضحية بالنوم وعادات الحياة اليومية من أجل لحظة نادرة: رؤية هذا الحضور العربي القياسي في أكبر حدث كروي على الكوكب.


