بينما كانت ملايين العيون معلقة بركلات الترجيح بين المغرب وهولندا، كان مشهد آخر قبل ذلك يتشكل بعيدًا عن الملعب.
في بيت جزائري، لم يكن الأب يتابع المباراة ببرود المتفرج المحايد، بل كان يعيشها كما لو أن المنتخب المغربي يمثل جزءًا من وجدانه. كان ينفعل مع كل هجمة، ويحبس أنفاسه مع كل فرصة، ثم يقفز فرحًا عندما سجل عيسى ديوب هدف التعادل.
وحين سأله ابنه، وهو صانع محتوى يتابعه أكثر من مليون شخص، عن سر هذا التفاعل، أجاب بعفوية: “من لا يشجع المغرب، وهو بلد مسلم، فهو مهبول”.
وبعد نهاية المباراة، قال الابن إنه تأثر أيضًا عندما شاهد لاعبي المنتخب المغربي والجهاز الفني يقرؤون الفاتحة قبل ركلات الترجيح، مضيفًا أن جزءًا كبيرًا من التوتر بين المغاربة والجزائريين تصنعه حسابات على مواقع التواصل تبحث عن إثارة الجدل أكثر من البحث عن الحقيقة.
قد تبدو هذه الحكاية مجرد موقف عابر، لكنها في الواقع مدخل لفهم ظاهرة تتكرر منذ مونديال قطر 2022 وتتجدد في كأس العالم 2026.
فالمنتخب المغربي لم يعد يحظى بتشجيع المغاربة وحدهم، بل أصبح يحظى بتعاطف جماهير من الجزائر وليبيا ومصر والسودان واليمن والسعودية، كما امتد هذا التعاطف إلى إندونيسيا وبنغلاديش وعدد من دول إفريقيا وحتى المكسيك.
الروابط الدينية والعربية والإفريقية تفسر جزءًا من هذا الالتفاف، لكنها لا تفسر كل شيء.
فما الذي يجعل مشجعًا في جاكرتا أو دكا أو مكسيكو سيتي او طوكيو او بكين او صنعاء او طرابلس او باماكو يتابع مباريات المغرب بشغف، ويحتفل بانتصاراته كما لو كانت انتصارات منتخب بلاده؟
الإجابة قد تكمن في مفهوم بات يحضر بقوة في العلوم السياسية والسوسيولوجيا، وهو الجنوب العالمي. فهذا المصطلح لا يشير فقط إلى موقع جغرافي، بل إلى مجموعة واسعة من الدول التي تشترك في تجارب تاريخية مرتبطة بالاستعمار أو التهميش أو السعي إلى تحقيق التنمية، وتسعى اليوم إلى تعزيز حضورها في النظام الدولي.
وفي هذا السياق، تصبح كرة القدم أكثر من مجرد لعبة؛ تتحول إلى مساحة لإعادة تعريف المكانة والقدرة على المنافسة.
في عالم يشعر فيه كثيرون بأن موازين القوة الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية تميل باستمرار نحو دول الشمال، تبدو كرة القدم واحدة من المجالات القليلة التي يستطيع فيها منتخب من الجنوب أن يهزم القوى التقليدية ويقف على قدم المساواة معها.
ولهذا تتحول انتصاراته إلى انتصارات رمزية تتجاوز حدود الملعب.
منذ وصول المغرب إلى نصف نهائي مونديال قطر 2022، بدأ هذا المعنى يتبلور بوضوح. فقد رأت قطاعات واسعة من الجماهير في ذلك الإنجاز دليلًا على أن بلدان الجنوب ليست محكومة بالبقاء في الصفوف الخلفية، وأن الاستثمار في الإنسان والتكوين قادر على تغيير المعادلة.
ووصفت تحليلات دولية رحلة المغرب آنذاك بأنها مصدر إلهام لشعوب الجنوب العالمي التي تبحث عن نماذج نجاح خارج الدائرة التقليدية للقوى الكبرى، فيما تشجع جماهير الشمال المنتخبات الاوروبية عادة.
وجاء التأهل إلى دور الـ16 في مونديال 2026 بعد إقصاء هولندا ليعيد إحياء هذه السردية. فبالنسبة لكثيرين، لم يكن الأمر مجرد فوز على منتخب أوروبي عريق، بل استمرار لقصة بدأت قبل أربع سنوات، تؤكد أن ما حققه المغرب لم يكن صدفة عابرة، بل نتيجة مشروع رياضي قائم على التكوين والاحتراف والاستقرار الفني.
ويكتسب المنتخب المغربي خصوصية إضافية لأنه يجمع بين أكثر من هوية في الوقت نفسه. فهو منتخب إفريقي وعربي ومسلم، ويضم لاعبين ولد عدد كبير منهم في أوروبا واختاروا تمثيل بلدهم الأصلي.
هذه التركيبة جعلته قريبًا من شرائح متعددة من الجماهير؛ فالعربي يرى فيه امتدادًا له، والإفريقي يرى فيه نجاحًا للقارة، والمسلم يجد فيه رمزية ثقافية ودينية، بينما ترى فيه شعوب الجنوب نموذجًا لدولة استطاعت أن تنافس الكبار دون أن تتخلى عن هويتها.
كما أن الصور التي رافقت المنتخب خلال السنوات الأخيرة، سواء تعلق الأمر بتفاعل اللاعبين مع عائلاتهم، أو باحترامهم لرموزهم الثقافية والدينية، أو بروحهم الجماعية، ساهمت في بناء صورة إنسانية جذبت جماهير لا تعرف الكثير عن المغرب، لكنها وجدت في هذا المنتخب قيمًا قريبة منها.
وهنا تكمن المفارقة. فبينما تصنع بعض المنصات الرقمية خطابًا قائمًا على الاستقطاب والخلاف، تبدو المدرجات والبيوت في كثير من دول الجنوب وكأنها تكتب قصة مختلفة؛ قصة تعاطف تتجاوز الحدود السياسية، وتعكس شعورًا مشتركًا بأن نجاح أحد أبناء الجنوب يمنح الآخرين أملًا بإمكانية النجاح أيضًا.
ولهذا ربما لم يكن الأب الجزائري يشجع المغرب باعتباره منتخبًا مجاورًا فقط، بل لأنه رأى فيه صورة لما يمكن أن تحققه شعوب المنطقة عندما تؤمن بنفسها.
وما ينطبق على الجزائر، يمكن ملاحظته أيضًا في ليبيا ومصر والسودان واليمن وإندونيسيا وبنغلاديش والمكسيك وغيرها من الدول التي وجدت في المنتخب المغربي أكثر من فريق لكرة القدم.
لقد أصبح، بالنسبة إلى كثيرين، قصة عن إمكانية الصعود، وعن قدرة الهامش على منافسة المركز، وعن حلم الجنوب العالمي في أن يرى نفسه يومًا واقفًا على قمة العالم.


