الذكاء الاصطناعي والتضليل الانتخابي .. دراسة تحذر من “نظام مخاطر” جديد يهدد الديمقراطية

لم يعد التهديد الذي يواجه الانتخابات في إفريقيا يقتصر على الأخبار الكاذبة أو الحملات الدعائية التقليدية، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدا مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي بات قادرا على إنتاج محتوى مزيف شديد الإقناع ونشره على نطاق واسع وبكلفة منخفضة، وفق دراسة حديثة صادرة عن مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد.

وتحذر الدراسة، التي حملت عنوان “التضليل في عصر الذكاء الاصطناعي في إفريقيا: ظهور نظام جديد للمخاطر على العمليات الانتخابية”، من أن القارة تواجه مرحلة غير مسبوقة تتقاطع فيها ثلاثة عوامل رئيسية: الانتشار السريع للمنصات الرقمية، وتسارع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتوالي الاستحقاقات الانتخابية في عدد كبير من الدول الإفريقية بين عامي 2024 و2026.

وتعتبر الدراسة أن هذا التلاقي يخلق بيئة خصبة للتلاعب بالرأي العام وتقويض الثقة في المؤسسات الديمقراطية.

وتؤكد الدراسة أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق الانقسامات السياسية من العدم، بل يضاعف الانقسامات القائمة، عبر إنتاج مقاطع فيديو وصور وتسجيلات صوتية مزيفة، وإنشاء حملات منسقة تستخدم آلاف الحسابات الآلية لإعطاء الانطباع بوجود إجماع شعبي حول مواقف أو روايات معينة، وهو ما يجعل الناخبين أكثر عرضة للتأثر بما يعتقدون أنه رأي الأغلبية.

وترى أن أخطر ما تغير ليس فقط جودة المحتوى المزيف، بل طبيعة العمليات نفسها.

فبدلا من حملات التضليل المحدودة، أصبح بالإمكان تشغيل شبكات من وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على التفاعل مع المستخدمين في الوقت الحقيقي، وإعادة صياغة الرسائل بلغات وأساليب مختلفة، والتكيف مع ردود الفعل البشرية، بما يحول التضليل إلى عملية مستمرة يصعب اكتشافها أو احتواؤها.

وتشير الدراسة إلى أن إفريقيا تبدو أكثر هشاشة أمام هذا التهديد بسبب ضعف الأطر القانونية والتنظيمية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، ومحدودية القدرات التقنية والقضائية، إضافة إلى الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار، خاصة بين فئة الشباب.

وبحلول 2025، بلغ عدد مستخدمي فيسبوك في القارة نحو 291 مليون مستخدم، بينما تجاوز عدد مستخدمي تيك توك 189 مليون مستخدم، وهو ما يضاعف سرعة انتشار المحتوى المضلل.

وتستعرض الدراسة عددا من الأمثلة التي شهدتها القارة خلال السنوات الأخيرة، من بينها تداول صور ومقاطع فيديو مضللة خلال الانتخابات في كوت ديفوار، وانتشار تسجيلات مزيفة في جمهورية الكونغو الديمقراطية نسبت تصريحات غير حقيقية إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فضلا عن حملات تضليل صاحبت الانقلاب في النيجر، اعتمدت على الشائعات وإعادة استخدام صور خارج سياقها، ما يؤكد أن التأثير لا يرتبط دائما بتقنيات معقدة، بل بقدرة المحتوى على استغلال الانقسامات القائمة.

وتلفت الدراسة إلى أن الجهات المنتجة للتضليل لا تقتصر على الفاعلين الخارجيين، إذ تلعب أطراف سياسية محلية، وشبكات في المهجر، وجماعات مسلحة، إضافة إلى حملات التأثير الأجنبية، أدوارا متداخلة في تشكيل البيئة المعلوماتية، وهو ما يجعل مواجهة الظاهرة أكثر تعقيدا من مجرد مراقبة المحتوى المنشور على المنصات الرقمية.

وفي المقابل، تحذر الدراسة من الاكتفاء بالحلول التقنية، معتبرة أن الاعتماد على أدوات كشف التزييف وحدها لن يكون كافيا. وتدعو إلى مقاربة شاملة تجمع بين تحديث التشريعات، وتعزيز قدرات المؤسسات الانتخابية، وتدريب القضاة وأجهزة إنفاذ القانون، ودعم مؤسسات التحقق من المعلومات، وتطوير آليات لرصد حملات التأثير قبل وأثناء الانتخابات، مع إشراك الدول الإفريقية في صياغة المعايير الدولية المنظمة للذكاء الاصطناعي.

وتخصص الدراسة حيزا للمغرب، مشيرة إلى أن المملكة قطعت خطوات في تنظيم المحتوى المرتبط بالانتخابات من خلال الإطار القانوني الحالي وبعض المقترحات التشريعية الجديدة، لكنها ترى أن النقاش العمومي حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الانتخابي ما يزال دون مستوى التحولات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الرقمي، داعية إلى توسيع الحوار بين المؤسسات والمجتمع والخبراء لضمان التوازن بين مكافحة التضليل وحماية حرية التعبير.

وتخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد تحد تقني، بل يعيد تشكيل طبيعة الصراع على المعلومات داخل المجتمعات الديمقراطية، ما يجعل بناء “سيادة رقمية” إفريقية قادرة على حماية الفضاء العام من حملات التلاعب والتأثير إحدى أولويات المرحلة المقبلة.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img