الكلفة البيئية للذكاء الاصطناعي السيادي.. سؤال الماء والطاقة يلاحق دول الجنوب

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد سباق على النماذج والخوارزميات والبيانات، بل تحول إلى سباق على البنية التحتية الثقيلة: مراكز بيانات، معالجات رسومية، كهرباء، تبريد، ومياه. ومع صعود خطاب “الذكاء الاصطناعي السيادي” في دول الجنوب العالمي، بدأ يظهر سؤال أكثر حساسية: من سيدفع الكلفة البيئية لهذا الطموح الرقمي؟

وبحسب ورقة بحثية حديثة منشورة على منصة “أركايف” بعنوان “الكلفة البيئية للسيادة الرقمية: آثار الماء والطاقة والانبعاثات لبنية الذكاء الاصطناعي السيادي في الجنوب العالمي”، فقد تجاوزت الالتزامات الحكومية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي السيادي 200 مليار دولار بين 2024 و2026، غير أن هذه الاستثمارات تصطدم بواقع بيئي صعب في عدد من الدول، خصوصا تلك التي تعاني ضغطا مائيا أو هشاشة في شبكات الكهرباء.

وتنبه الورقة إلى أن بناء سيادة رقمية قائمة على امتلاك مراكز بيانات وقدرات حوسبة محلية لا يعني فقط السيطرة على البيانات والخوارزميات، بل يعني أيضا تحمل كلفة مادية مباشرة تتمثل في استهلاك المياه للتبريد، ورفع الطلب على الكهرباء، وزيادة الانبعاثات الكربونية، خاصة عندما تعتمد الشبكات الكهربائية على الوقود الأحفوري.

وتحلل الورقة حالات من الإمارات وبنغلاديش والهند وإفريقيا، مع تركيز خاص على كينيا، لتبيان كيف تختلف كلفة الذكاء الاصطناعي حسب الموقع الجغرافي، وطبيعة شبكة الكهرباء، وتوفر الماء، ونوع أنظمة التبريد. ففي بلد يعاني ضغطا مائيا شديدا مثل الإمارات، يمكن لمركز يضم 1024 معالجا رسوميا ويعتمد التبريد بالتبخر أن يستهلك أكثر من 30 مليون لتر من المياه سنويا.

أما من حيث الانبعاثات، فتؤكد الورقة أن الكلفة الكربونية للذكاء الاصطناعي السيادي تعتمد بدرجة كبيرة على مزيج إنتاج الكهرباء. فالمركز نفسه، إذا اشتغل بمعدل كفاءة طاقية معين، قد ينتج أكثر من 14 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا في بنغلاديش، وأكثر من 13 ألف طن في الهند، مقابل أقل من ألفي طن في كينيا، بسبب اختلاف كثافة الكربون في الشبكات الكهربائية.

وتقود هذه المعطيات إلى ما تسميه الورقة “معضلة السيادة والاستدامة والكلفة”. فالدول الراغبة في امتلاك ذكاء اصطناعي سيادي تجد نفسها أمام ثلاثة أهداف يصعب تحقيقها في الوقت نفسه: تعظيم السيادة الرقمية، وتقليص الأثر البيئي، والحفاظ على كلفة معقولة للموارد بالنسبة للمواطنين.

وتكتسي هذه الخلاصة أهمية خاصة بالنسبة لدول مثل المغرب، التي تسعى إلى تعزيز موقعها في الاقتصاد الرقمي وجذب استثمارات مرتبطة بمراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. فالمملكة تتوفر على نقاط قوة واضحة، من بينها القرب من أوروبا، والاستقرار، والكابلات البحرية، وتقدم مشاريع الطاقات المتجددة. لكنها في المقابل تعيش ضغطا مائيا متزايدا، ما يجعل أي توسع في مراكز البيانات مشروطا بحساب دقيق لاستهلاك الماء والطاقة.

ولا يعني ذلك أن المغرب يجب أن يتردد في دخول سباق الذكاء الاصطناعي، بل أن يدخل هذا السباق بنموذج مختلف. فالميزة التنافسية المقبلة لن تكون فقط في استقطاب مراكز بيانات كبيرة، بل في استقطاب مراكز بيانات منخفضة البصمة البيئية، تعتمد على الكهرباء المتجددة، وتستعمل تقنيات تبريد أقل استهلاكا للماء، وتخضع لمعايير شفافة في قياس الأثر البيئي.

وتقترح الورقة عددا من المبادئ التي يمكن أن تتحول إلى مرجع للسياسات العمومية، من بينها إلزامية التصريح بمؤشر استعمال المياه، ودراسة هشاشة المواقع المقترحة أمام الجفاف والفيضانات والحرارة، وتفضيل النماذج اللغوية الصغيرة والفعالة على سباق تدريب النماذج العملاقة في الدول ذات الموارد المحدودة.

بالنسبة للمغرب، تمثل هذه المقاربة فرصة لا تهديدا. فإذا استطاع أن يربط بين الطاقات المتجددة، ومراكز البيانات، والكابلات البحرية، والقرب من السوق الأوروبية، يمكنه أن يقدم نفسه كمنصة رقمية خضراء في غرب المتوسط وإفريقيا. لكن ذلك يتطلب ألا تتحول السيادة الرقمية إلى استنزاف جديد للماء والكهرباء، أو إلى بنية تحتية تخدم الخارج أكثر مما تخدم الاقتصاد الوطني.

ويكشف النقاش حول الكلفة البيئية للذكاء الاصطناعي أن السيادة الرقمية لم تعد مفهوما تقنيا فقط، بل أصبحت قرارا اقتصاديا وبيئيا واجتماعيا. فالدولة التي تبني مراكز بيانات دون احتساب الماء والطاقة قد تربح قدرة حوسبة، لكنها قد تخسر جزءا من أمنها المائي والطاقي.

لذلك، فإن السؤال الذي تطرحه هذه الورقة على دول الجنوب، ومن بينها المغرب، ليس: هل نمتلك ذكاء اصطناعيا سياديا؟ بل: أي ذكاء اصطناعي نريد، وبأي كلفة بيئية، وعلى حساب من؟

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img