يدخل مشروع قانون المالية لسنة 2027 مرحلة الإعداد في لحظة دقيقة، تجمع بين ضغط الحفاظ على التوازنات المالية، ومطلب مواصلة تمويل الأوراش الكبرى، من البنيات التحتية والماء والصحة والتعليم، إلى المشاريع المرتبطة بكأس العالم 2030.
وتستند هذه القراءة إلى دورية رئيس الحكومة بشأن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، الموجهة إلى الوزراء والوزراء المنتدبين وكتاب الدولة والمندوبين السامين، إضافة إلى العرض الذي قدمته وزارة الاقتصاد والمالية أمام لجنتي المالية بالبرلمان حول تنفيذ ميزانية 2026 والإطار العام لإعداد مشروع قانون المالية 2027 والبرمجة الميزانياتية 2027-2029.
لا يتعلق الأمر بميزانية تقنية فقط، بل بوثيقة سياسية واقتصادية تأتي في نهاية ولاية حكومية وبداية دورة سياسية جديدة، بما يجعلها تمرينا في ترتيب الأولويات بين الحصيلة، والاستمرارية، والانتظارات الاجتماعية، وضغط الأرقام.
وتضع الدورية الحكومة أمام معادلة واضحة: توطيد المكتسبات الاقتصادية، التأهيل الشامل للمجالات الترابية، تدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، مواصلة بناء الدولة الاجتماعية، والحفاظ على توازنات المالية العمومية.
هذه العناوين الكبرى تعكس طبيعة المرحلة. فالمغرب يريد الحفاظ على دينامية الاستثمار، لكنه لا يملك هامشا واسعا لتوسيع الإنفاق الجاري، خاصة مع ارتفاع كلفة الأوراش الاجتماعية، وضغط الدعم، وحاجيات البنية التحتية، والتزامات ما قبل 2030.
في الجانب الميزانياتي، تتجه الحكومة إلى تشديد نفقات التسيير، من خلال ترشيد المصاريف العادية، وضبط نفقات التنقل، والاستقبالات، والكراء، واستعمال السيارات، واستهلاك الماء والكهرباء، مع اعتماد أكبر على منطق النجاعة وترتيب الأولويات.
وتحمل هذه الرسائل توجها نحو تقليص هامش الإنفاق الإداري غير المنتج. فالأولوية، وفق روح الدورية، لم تعد لتوسيع نفقات الجهاز الإداري، بل لإعادة توجيه الموارد نحو البرامج ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي المباشر.
غير أن شد نفقات التسيير لا يعني التراجع عن الاستثمار. فالحكومة تؤكد، في المقابل، الحفاظ على زخم الاستثمار العمومي، خاصة في السكك الحديدية، والطرق، والموانئ، والمطارات، والماء، وتحلية مياه البحر، والصحة، والجامعات، والبنيات الرياضية، ومشاريع كأس العالم 2030.
وهنا تكمن مفارقة مشروع مالية 2027. فالدولة مطالبة بأن تنفق بحذر في التسيير، لكنها مطالبة أيضا بأن تواصل الاستثمار بوتيرة قوية. وهذا يضع سؤال جودة الإنفاق في قلب النقاش: هل تستطيع الحكومة تمويل الأوراش الكبرى دون توسيع العجز أو الضغط على المالية العمومية؟
الأرقام التي تؤطر المشروع تكشف حجم الرهان. فالحكومة تستهدف الحفاظ على عجز في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مع مواصلة التحكم في مسار الدين العمومي، في وقت تتطلب فيه الأوراش الكبرى موارد مالية ضخمة وتعبئة مستمرة للاستثمار العام والخاص.
وتحضر الانتخابات التشريعية لسنة 2026 في خلفية هذه الوثيقة، ليس بوصفها موعدا سياسيا فقط، بل باعتبارها محطة تجعل ميزانية 2027 ميزانية عبور بين حصيلة حكومية ومرحلة جديدة. لذلك تبدو الدورية حريصة على تأكيد الاستمرارية، لا القطيعة.
فالرسالة السياسية الضمنية أن الأوراش الكبرى، خاصة تلك المرتبطة بالماء، والحماية الاجتماعية، والبنية التحتية، والصحة، والتعليم، ومونديال 2030، لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الزمن الانتخابي، بل يجب أن تستمر باعتبارها اختيارات استراتيجية للدولة.
في المقابل، تحاول الحكومة تثبيت خطاب اقتصادي يقوم على إبراز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود أمام الصدمات، من تداعيات الجائحة والجفاف إلى زلزال الحوز والتقلبات الخارجية. وتستحضر الدورية متوسط نمو خلال السنوات الماضية، مع توقعات إيجابية لسنة 2026.
لكن قوة النمو، مهما كانت مهمة، لا تكفي وحدها. فالسؤال الأكثر إلحاحا يبقى: هل يتحول هذا النمو إلى فرص شغل؟ وهل ينعكس على الدخل؟ وهل يقلص الفوارق بين الجهات؟ وهل يرفع الإنتاجية؟ هذه الأسئلة ستكون في قلب تقييم مشروع مالية 2027.
وتبدو المسألة الترابية واحدة من المفاتيح الأساسية في الدورية. فالحديث عن التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، يعكس إدراكا بأن جزءا من الانتظارات الاجتماعية في المغرب يرتبط بتفاوت السرعات بين الجهات والمدن والقرى.
فلا يكفي أن تتحسن المؤشرات الوطنية إذا ظلت مناطق واسعة تشعر بأنها خارج دورة الاستثمار، والخدمات، والفرص. لذلك سيكون مشروع مالية 2027 مطالبا بترجمة الخطاب الترابي إلى برمجة مالية واضحة، تجعل أثر الاستثمار ملموسا خارج المراكز الكبرى.
وتراهن الحكومة أيضا على الاستثمار الخاص كرافعة أساسية للنمو. فالهدف المعلن على المدى المتوسط هو رفع حصة الاستثمار الخاص داخل إجمالي الاستثمارات، بما ينسجم مع ميثاق الاستثمار، ودور المراكز الجهوية للاستثمار، وإصلاح مناخ الأعمال.
هذا التوجه ضروري، لأن الاستثمار العمومي لا يمكنه وحده حمل النمو على المدى الطويل. لكن نجاحه يتوقف على تبسيط المساطر، وتسريع معالجة الملفات، وضمان الوضوح للمستثمرين، وتوفير الكفاءات، وربط الاستثمار بفرص الشغل والإنتاج المحلي.
كما تبرز الصناعة ضمن الخلفية الاستراتيجية للمشروع، حيث يسعى المغرب إلى ترسيخ موقعه داخل سلاسل القيمة العالمية، خاصة في السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية. وهذا التحول يمنح المالية العمومية بعدا يتجاوز التوازنات السنوية، نحو تمويل موقع اقتصادي جديد للمملكة.
غير أن هذا الطموح يحتاج إلى حذر في التنفيذ. فالأوراش الكبرى تخلق النمو وتدعم الجاذبية، لكنها تحتاج إلى ضبط الكلفة والآجال والنجاعة. وكل تأخر أو تضخم في التكلفة يمكن أن يضغط على الميزانية ويقلص أثر الاستثمار.
لذلك، فإن روح مشروع مالية 2027 يمكن تلخيصها في عبارة واحدة: إنفاق أقل في التسيير، واستثمار أكثر نجاعة في الأوراش الكبرى. فالمطلوب ليس فقط تقليص بعض المصاريف، بل تغيير طريقة إعداد الميزانية وربطها بالأثر والنتائج.
وبقدر ما تحمل الدورية خطابا متفائلا حول الاستمرارية والصعود الاقتصادي، فإنها تكشف أيضا حجم الضغط المقبل. فالحكومة مطالبة في الوقت نفسه بتمويل الدولة الاجتماعية، وحماية التوازنات، ومواصلة الاستثمار، وطمأنة الأسواق والمستثمرين، وتدبير انتظارات اجتماعية متزايدة.
في النهاية، لن يكون السؤال الحاسم في مشروع مالية 2027 هو هل ستنفق الدولة أكثر أم أقل، بل هل ستنفق بشكل أفضل. فالمغرب لا يملك ترف إبطاء الاستثمار، لكنه لا يملك أيضا ترف استمرار نفقات غير منتجة.
ومن هنا، تبدو مالية 2027 اختبارا لقدرة الحكومة على الجمع بين الطموح والانضباط: طموح تمويل الأوراش الكبرى وترسيخ موقع المغرب قبل 2030، وانضباط مالي يمنع تحول السرعة الاستثمارية إلى عبء على توازنات المستقبل.


