قبل أسابيع قليلة من توجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع، لم تعد المنافسة الانتخابية مرتبطة فقط بالبرامج والمرشحين والتجمعات. هناك معركة أخرى تدور على الهواتف والمنصات الرقمية، حيث أصبحت بيانات الناخبين والذكاء الاصطناعي جزءا من أدوات الحملات السياسية.
وفي هذا السياق، وضعت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي عشر قواعد يتعين احترامها خلال مختلف مراحل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، وأبلغت بها الأحزاب السياسية قبل أن تقرر إطلاع المواطنين والهيئة الناخبة عليها.
وتكتسب هذه القواعد أهميتها مع اتساع استخدام الرسائل النصية وواتساب والشبكات الاجتماعية في التواصل السياسي، وما يتيحه تحليل البيانات من إمكانية الوصول إلى فئات محددة من الناخبين برسائل مصممة وفقا لاهتماماتهم وخصائصهم.
أولا، تشدد اللجنة على ضرورة احترام القانون 09.08 وإشعارها بمعالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي قبل الشروع فيها، وفقا للمادة 12. وبذلك لا تصبح قاعدة بيانات انتخابية مشروعة لمجرد أن حزبا أو مرشحا أصبح يتوفر عليها، بل تخضع معالجتها للإجراءات القانونية المنظمة لذلك.
ثانيا، يجب احترام الغاية التي جمعت البيانات من أجلها ومدة الاحتفاظ بها. فلا يمكن جمع بيانات لغرض محدد ثم استخدامها بلا ضوابط لغرض مختلف، كما لا ينبغي الاحتفاظ بها إلى أجل غير محدد بعد انتهاء الحاجة إليها. وتوضح اللجنة في قواعدها العامة أن المعطيات ينبغي إتلافها بعد انتهاء المدة الضرورية للغاية التي جمعت من أجلها.
ثالثا، تمنع القواعد استغلال الرأي السياسي للشخص دون رضاه الصريح. وهذه نقطة شديدة الحساسية في الحملات الحديثة، لأن تحليل سلوك المستخدمين يمكن أن يسمح ببناء تصورات عن ميولاتهم السياسية واستهدافهم على أساسها. ويصنف القانون المغربي الآراء السياسية أصلا ضمن المعطيات الحساسة.
رابعا، لا يجوز ممارسة الاستقراء المباشر دون موافقة مسبقة من الشخص المعني، طبقا للمادة 10 من القانون 09.08. وهنا يبرز سؤال يعرفه كثير من الناخبين: عندما تصل رسالة انتخابية إلى هاتف مواطن، من أين حصل الحزب أو المرشح على رقمه، وهل وافق صاحبه على استعماله لهذا الغرض؟
خامسا، يدخل الذكاء الاصطناعي صراحة إلى القواعد المؤطرة للحملة، إذ دعت اللجنة إلى الإخبار بأي محتوى منتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، مع إحالتها على مقتضيات من القانون الجنائي والقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب.
وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة في انتخابات 2026، بعدما أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو ونصوص شديدة الإقناع خلال دقائق، ما يرفع مخاطر استخدام محتويات اصطناعية في التأثير على الناخب دون معرفته بطبيعتها.
وكانت «المحيط» سباقة إلى إثارة علاقة الذكاء الاصطناعي بالانتخابات ومخاطر استخدامه في صناعة التضليل والتأثير في الناخبين، ضمن تقرير سابق استند إلى دراسة لمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد حول التضليل في عصر الذكاء الاصطناعي وظهور نظام جديد للمخاطر يواجه العمليات الانتخابية في إفريقيا.
إقرأ أيضا: الذكاء الاصطناعي والتضليل الانتخابي .. دراسة تحذر من “نظام مخاطر” جديد يهدد الديمقراطية
ويحول موقف اللجنة هذا النقاش من تحذير استباقي إلى مسألة عملية داخل الانتخابات المغربية: المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي لم يعد احتمالا بعيدا، بل أصبح حاضرا ضمن القواعد التي يجري تذكير الفاعلين السياسيين بها قبل الاقتراع.
سادسا، يتعين جمع البيانات الشخصية بنزاهة وشفافية. وهذا يعني أن الناخب ينبغي ألا يتحول إلى مصدر للبيانات دون معرفة واضحة بكيفية جمع معلوماته والغاية من استخدامها. فالقانون يشدد على أن معالجة المعطيات يجب أن تكون نزيهة ومشروعة وشفافة.
سابعا، يتعين ضمان حقوق الأشخاص المعنيين بالبيانات. وتشمل هذه الحقوق، وفق منظومة حماية المعطيات، معرفة كيفية استخدام البيانات والولوج إليها وتصحيحها وممارسة الحقوق التي يمنحها القانون لصاحبها.
ثامنا، يجب تأطير العلاقة مع الجهات التي تعالج البيانات لحساب المسؤول عنها. وهذه النقطة مهمة في الحملات الرقمية، حيث قد تستعين الأحزاب والمرشحون بشركات تواصل أو تسويق أو خدمات رقمية لمعالجة قواعد البيانات، ولا يعفي إسناد المهمة إلى طرف خارجي المسؤول الأصلي من احترام الضوابط القانونية.
تاسعا، يخضع نقل المعطيات الشخصية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بنقلها إلى الخارج، للشروط والإجراءات التي يحددها القانون. وتوضح اللجنة أن نقل البيانات إلى الخارج لا يتم بصورة مطلقة، بل يرتبط بمجموعة من الشروط والتصاريح والضمانات بحسب الحالة.
عاشرا، تضع اللجنة مبدأ الامتثال للقواعد القانونية في صلب معالجة البيانات طوال المسلسل الانتخابي، بما يجعل حماية المعطيات مسؤولية مستمرة وليست إجراء شكليا ينجز في بداية الحملة ثم ينتهي.
واللافت أن هذه القواعد تأتي في انتخابات تبدو مرشحة لأن تكون الأكثر رقمية في المغرب حتى الآن. فالهاتف أصبح وسيلة للوصول إلى الناخب، والمنصات الاجتماعية فضاء رئيسيا للدعاية، بينما يضيف الذكاء الاصطناعي قدرة جديدة على إنتاج الرسائل والصور والفيديو واستهداف الجمهور بسرعة لم تكن متاحة في الاستحقاقات السابقة.
وكانت اللجنة قد أكدت منذ مارس 2025 أن استخدام الذكاء الاصطناعي للمعطيات الشخصية يظل خاضعا للقانون 09.08، مع التشديد على مبادئ النزاهة والشفافية والثقة وقابلية فهم المعالجة، خصوصا عندما تدخل الأنظمة الآلية في اتخاذ القرارات.
كما وضعت اللجنة الرقم 3020 رهن إشارة المواطنين للحصول على المعلومات المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية وممارسة حقوقهم.
وهكذا تكشف القواعد العشر أن معركة 23 شتنبر لن تدور فقط حول من يقنع الناخب، بل أيضا حول كيف يصل إليه، ومن أين حصل على بياناته، وكيف يستخدمها، وما إذا كان المحتوى الذي يخاطبه به حقيقيا أم مصنوعا بالذكاء الاصطناعي.
وفي انتخابات تدخل فيها البيانات والخوارزميات بقوة أكبر، تصبح القاعدة الأساسية أكثر وضوحا: الوصول إلى الناخب لا يمنح أي حزب أو مرشح حق امتلاك بياناته أو استخدامها بلا ضوابط.


