لا شيء عند باب متحف التاريخ والحضارات بالرباط يوحي بأن خطوات قليلة في الداخل ستكون كافية لعبور مئات آلاف السنين.
في الخارج تمضي الرباط بإيقاعها المعتاد، أما في الداخل فتنتظر الزائر طبقات متراكمة من تاريخ المغرب، من الإنسان الأول إلى الممالك والدول التي تعاقبت على البلاد.
عند المدخل يستقبلنا حارس الأمن بابتسامة وترحيب مقتضب. نعبر الباب، ويخفت ضجيج الخارج تدريجيا، قبل أن تقودنا خطوات قليلة في الممر الأول إلى تمثال رخامي كبير ينتصب مباشرة في مواجهة الداخل.
إنه بطليموس، ابن يوبا الثاني وكليوباترا سيليني وآخر ملوك موريطانيا. عثر على تمثاله في سلا القديمة بالموقع الأثري لشالة، ويعود إلى القرن الأول الميلادي، ليصبح الرجل الذي عاش قبل نحو ألفي سنة أول من يستقبلنا في هذه الرحلة.

من أمام بطليموس تنفتح القاعة على مسارات مختلفة. إلى جهة اليمين ينتظرك ما قبل التاريخ، وإلى أخرى تبدأ الحضارات القديمة، فنختار أن نؤجل لقاء الإنسان الأول قليلا ونتجه نحو هذه الأخيرة، تاركين أعمق طبقات الزمن إلى نهاية الجولة.
يبدأ المغرب القديم في الظهور قطعة بعد أخرى، ضمن مسار يقود من الحضور الفينيقي إلى الحضارة المورية ثم المرحلة الرومانية. أسماء نعرفها من كتب التاريخ، لكنها هنا تتحول إلى أشياء حقيقية صنعها بشر وعاشوا بها قبل أن تصمد أجزاء منها أمام القرون.
في واجهات القطع القديمة لا نجد دائما تماثيل ضخمة تجذب العين. أحيانا لا يكون أمامنا سوى قارورة أو مصباح أو جزء من إناء أو أمفورة مكسورة، لكن الاقتراب من الزجاج وقراءة بطاقة صغيرة يمكن أن يحولا شظية فخار إلى حكاية أكبر بكثير من حجمها.
يحدث ذلك أمام معروضات موغادور، حيث تعود مجموعة من القطع إلى القرنين السابع والسادس قبل الميلاد. تظهر بينها آثار ذات صلات فينيقية وقبرصية وأتيكية وأيونية، ومقبض أمفورة من خيوس، إلى جانب قطع تحمل كتابات فينيقية.

فجأة يدخل البحر إلى الحكاية. بعض هذه الأشياء تحرك قبل أكثر من 2500 سنة مع البشر والبضائع عبر طرق بحرية ربطت الساحل المغربي بعوالم بعيدة، ليبدو المتوسط والأطلسي أقل شبها بحواجز جغرافية وأكثر قربا من طرق مفتوحة للتجارة والتبادل.
قطعة فخار مكسورة تكفي هنا لتقول الكثير. فالمغرب القديم لم يكن أرضا منغلقة على نفسها، بل فضاء وصلته سلع وتقنيات وتأثيرات قادمة من ضفاف مختلفة، قبل قرون طويلة من ظهور وسائل النقل التي نعرفها اليوم.
نواصل السير فتقودنا المعروضات إلى الحضارة المورية، حيث تتغير الأشكال وتبقى تفاصيل الحياة حاضرة في الجرار والأواني والمصابيح والأكواب وأدوات الاستعمال اليومي.
يبدأ التاريخ هنا في الابتعاد قليلا عن الملوك ليقترب من أناس لا نعرف أسماءهم، لكن الأشياء التي تركوها تسمح لنا بتخيل جانب من حياتهم.
ومن ليكسوس تستوقفنا قطعة برونزية استعملت لغرف الخمر، تعود إلى الربع الأخير من القرن السابع قبل الميلاد.
وظيفتها بسيطة، لكنها تقربنا أكثر من الحياة اليومية لإنسان عاش قبل أكثر من ألفي سنة، جلس إلى مائدة ومد يده إلى إناء وصب الشراب في كأس.
هكذا ينزل التاريخ من عروش الملوك إلى موائد الناس.
فخلف أسماء الحضارات الكبرى كان هناك بشر يحتاجون إلى الطعام والشراب والضوء والتخزين، وكانت الحياة اليومية تجري بتفاصيل صغيرة لم يكن أصحابها يتخيلون أنها ستصبح يوما شواهد على عصر كامل.
لكن الملوك يعودون إلى المشهد مع رأس يوبا الثاني القادم من ليكسوس.
تركنا ابنه بطليموس عند المدخل، وها هو الأب يظهر داخل مسار الحضارة المورية، لتستعيد المملكة بعض وجوهها بعد نحو ألفي سنة.

مع التقدم داخل القاعات تتغير لغة المعروضات.
يقل حضور الفخار ويزداد الرخام، وتكبر الأجساد أمامنا، وبينها جذع تمثال إمبراطوري من وليلي يعود إلى الفترة الرومانية.
اختفى الرأس والأطراف، لكن ما بقي من الجسد يكفي لتخيل هيبة التمثال عندما كان كاملا. بل إن ما أخذه الزمن منه أصبح جزءا من حكايته، فالرخام الذي صنع ليقاوم تحول هو نفسه إلى سجل للقرون التي مرت فوقه.
وهنا يتغير منطق الجولة أيضا. فإلى جانب التسلسل التاريخي، تقود هندسة العرض نحو مسار موضوعاتي يجمع الرخام والبرونز، فتتجاور صور البشر مع تمثيلات أخرى تكشف جانبا مختلفا من رؤية الإنسان القديم للعالم.
بين المنحوتات تظهر تمثلات للآلهة والمعتقدات القديمة، حيث حاول الإنسان أن يمنح المقدس صورة، وأن يحول ما يؤمن به أو يخشاه إلى وجه وجسد ورمز.
أمام هذه القطع لا يعود التمثال مجرد عمل فني، بل يصبح أثرا لطريقة في التفكير ومحاولة لفهم الحياة والموت والطبيعة والقوى التي اعتقد الإنسان أنها تتجاوز عالمه المرئي.

ومن الرخام يقودنا العرض إلى البرونز، فتتسع الحكاية مرة أخرى. المعدن الذي اتخذ شكل تمثال أو تمثل ديني دخل أيضا في تفاصيل الحياة اليومية، من الإضاءة والمائدة إلى الزينة وأدوات أخرى يحتاجها الإنسان في يومه.
بعد الأجساد الكبيرة والمنحوتات، يصغر التاريخ فجأة أمام واجهات المسكوكات في الطابق الأول. نقترب لرؤية النقوش والكتابات والرموز المحفورة على قطع معدنية صغيرة، لكن صغر حجمها لا يعكس أبدا حجم الحكاية التي تحملها.
فالعملة تحمل أثرا للسلطة التي أصدرتها والاقتصاد الذي تداولها والأسواق التي انتقلت فيها من يد إلى أخرى. ومن تمثال بحجم إنسان إلى قطعة يمكن حملها بين إصبعين، نكتشف كيف يمكن للدولة أن تترك أثرها في الرخام الضخم كما تستطيع أن تحمله في جيب فرد.

من العصور القديمة يواصل المسار رحلته نحو الحضارة الإسلامية والدول التي تعاقبت على المغرب.
لكن السلالات والأسماء تتراجع مرة أخرى أمام الأشياء التي صنعها الناس واستعملوها، فتدخل العمارة والخزف والماء والقياس وأدوات الحياة اليومية إلى الحكاية.
في فضاء «فن العيش» تظهر الأطباق والجرار والأباريق والمصابيح.
ومن الكتبية بمراكش نجد قنديلا وطبقا وقطعا خزفية من الفترة الموحدية في القرن الثاني عشر، فتتحول مراكش التي نستحضرها عادة عبر الصومعة والأسوار والسلاطين إلى غرفة يحل عليها الليل وتحتاج إلى الضوء، وإلى مائدة يجتمع حولها الناس.
القنديل الصغير يعيد المدينة إلى حجم الإنسان. كان شخص ما يحتاج إلى ضوئه حتى يرى، وشخص آخر يأكل في طبق، وأسرة تحفظ الماء أو الطعام في جرة، بينما كانت خلف أسوار المدن والقصور حياة يومية تمضي بعيدا عن الوقائع الكبرى التي تحفظها كتب التاريخ.
ومن شالة تأتينا جرة صغيرة من الفترة المرينية في القرن الرابع عشر، فيما تقودنا قطع أخرى إلى بليونش وسجلماسة وآسفي وشيشاوة وفاس.
نحن لا نغادر المبنى، لكن أسماء المواقع على البطاقات تجعلنا نتنقل بين جهات المغرب ومدنه وأزمنته بواسطة الأشياء.

ثم نصل إلى معروضات قد لا تنافس التماثيل في جذب العين، لكنها تكشف وجها آخر من قدرة الإنسان على تدبير حياته. قنوات فخارية من مراكش تعود إلى الفترة المرابطية، وأخرى مرتبطة بقصر البديع من الفترة السعدية، تفتح أمامنا تاريخا مختلفا كان جزء منه يجري تحت الأرض.
قد يبدو أنبوب فخاري شيئا عاديا أمام تمثال رخامي، لكن السؤال الذي يفتحه أكبر من حجمه: كيف كانت المدينة تعيش؟ فالمدن لا تستمر بالأسوار والقصور وحدها، وكان على الماء أن يصل وأن يصرف، وعلى الإنسان أن يطور المعرفة والتقنيات التي تجعل الحياة الجماعية ممكنة.
ومن الماء ننتقل إلى الإنتاج والسوق، حيث تظهر أدوات القياس ومكاييل للحبوب واللوز. يتكون أمامنا مشهد سوق قديم: محصول يصل، وبائع يقيس، ومشتر ينتظر، ومعيار ينظم العلاقة بينهما.
عند هذه النقطة لم تعد الحضارة ملكا أو تمثالا أو قصرا. إنها أيضا قناة تحمل الماء، ومكيال ينظم السوق، وقنديل يطرد الظلام، وإناء يوضع على مائدة؛ أشياء تبدو عادية، لكنها كانت جزءا من الحلول التي ابتكرها الإنسان لتنظيم حياته.

وعند فاس تقترب منا السنوات أكثر. أطباق ومحبرة وقطع خزفية من الفترة العلوية، يعود بعضها إلى نهاية القرن التاسع عشر، يفرض فيها الأزرق حضوره وسط زخارف نباتية وهندسية، وبعد آلاف السنين التي عبرناها يبدو القرن التاسع عشر قريبا بشكل غريب.
لكن بقي المسار الذي تركناه عند بداية الجولة. نعود إلى ما قبل التاريخ، وهنا تتغير قواعد الحكاية كلها، إذ تختفي أسماء الملوك والدول والمدن والعملات، ويصبح الإنسان نفسه هو الموضوع.
أمام بقايا الإنسان العاقل المرتبطة بالصخيرات نصل إلى نحو 7500 سنة من الحاضر. قبل قليل كان القرن الثاني عشر يبدو بعيدا، لكنه أصبح الآن قريبا، لأن الزمن بدأ يتمدد أمامنا على مقياس مختلف.
ثم تأخذنا تافوغالت إلى نحو 24 ألف سنة. لم تكن المدن التي عبرناها موجودة، ولا الدول ولا العملات ولا قنوات الماء، ومع ذلك كان الإنسان هنا، يعيش ويصنع أدواته ويواجه محيطه ويترك من الآثار ما يكفي لكي يصل شيء من حكايته إلينا.
وتأتي المحطة التي تعيد ترتيب الجولة كلها: جبل إيغود، ونحو 315 ألف سنة من العمق الزمني.
أمام الشواهد المرتبطة بالإنسان العاقل يصبح الرقم أكبر من مجرد تاريخ مكتوب على بطاقة، لأن كل ما شاهدناه منذ دخول المتحف يبدأ فجأة في الاقتراب منا.

بطليموس الذي استقبلنا عند الباب وعاش قبل نحو ألفي سنة بدا لحظة دخولنا قادما من أقصى الماضي، لكنه يبدو الآن قريبا.
موغادور قبل أكثر من 2500 سنة تبدو قريبة، والرومان قريبون، والممالك المورية التي ملأت جزءا من الجولة تصبح فصلا متأخرا في قصة بدأت قبلها بمئات آلاف السنين.
هنا ينجح المتحف في شيء يصعب على كتب التاريخ فعله: يجعل الزمن قابلا للمشي.
فبين بضعة أروقة انتقلنا من الإنسان الأول إلى المدن والأسواق والممالك، ومن الأدوات الأولى إلى الفخار والرخام والبرونز والمسكوكات، ومن مواجهة الطبيعة إلى بناء أنظمة أكثر تعقيدا للحياة.
وفي طريق العودة نحو المخرج تمر بعض القطع أمامنا للمرة الثانية، لكنها لم تعد أشياء منفصلة كما بدت في البداية. قطعة الفخار التي عبرت البحر، وإناء الشراب، والتمثال، والعملة، والقنديل، والجرة، وقناة الماء والمكيال، ثم بقايا الإنسان، أصبحت أجزاء من حكاية واحدة عن كيفية عيش الإنسان فوق هذه الأرض ومواجهة تحديات كل عصر.
وربما هنا تكمن الدلالة الأعمق للجولة. فالمتحف لا يكشف فقط تعاقب الحضارات والدول فوق المغرب، بل يكشف أيضا عن قدرة الإنسان على التكيف وصناعة الحلول؛ حين كان التحدي هو البقاء أمام الطبيعة صنع أدواته، وحين ظهرت التجمعات والمدن ابتكر وسائل لتدبير الماء والإنتاج والتبادل.
وحين اتسعت علاقاته عبر البحر تاجر وتبادل التأثيرات والمعارف، وحين احتاج إلى التعبير عن معتقداته وجمالياته تركها في الرخام والبرونز والخزف والزخرفة. تغيرت التحديات وتغيرت معها الوسائل، لكن الحاجة إلى المعرفة والابتكار والاستمرار ظلت حاضرة.
ولعل هذه هي الحكاية التي يرويها متحف التاريخ والحضارات من دون أن يكتبها على جدار.
فتاريخ المغرب ليس فقط تعاقب ممالك وحضارات، بل أيضا تاريخ إنسان تعلم وصنع وبنى وتبادل وابتكر، وترك لمن جاء بعده شيئا يبدأ منه.
وقبل أن نعبر الباب يظهر بطليموس مرة أخرى في مكانه، مواجها الداخلين كما كان حين بدأنا الجولة.
التمثال لم يتغير، لكن المسافة التي تفصلنا عنه تغيرت؛ عند الدخول كان بوابتنا إلى الماضي البعيد، وبعد الوصول إلى جبل إيغود أصبح واحدا من أحدث وجوه حكاية أطول بكثير.
نخرج إلى الرباط المعاصرة، فتعود السيارات والهواتف والشوارع والساعات لتقيس الزمن بالدقائق والثواني، بعدما كنا قبل خطوات نقيسه بآلاف السنين.
وبين ماض يمتد إلى نحو 315 ألف سنة وحاضر يتحرك بسرعة غير مسبوقة، يواصل المغرب رحلته نحو المستقبل بعزيمة الإنسان نفسه، وإن تغيرت الأدوات والتحديات.
ويبقى بطليموس في مكانه يستقبل زوارا آخرين، شاهدا على فصل من حكاية بدأت قبله بآلاف السنين، وما تزال تكتب فصولها اليوم.


