تدخل المواجهة المتصاعدة بين السعودية والحوثيين مرحلة تتجاوز حدود الحرب اليمنية، مع اتجاه الرياض وأنقرة وإسلام آباد إلى اختبار أول جدي لاتفاق الدفاع المشترك الذي يجمع الدول الثلاث، في وقت أصبحت فيه طرق تصدير النفط والملاحة في البحر الأحمر جزءا مباشرا من الصراع الإقليمي.
ومن المنتظر أن يعقد القادة العسكريون في السعودية وتركيا وباكستان اجتماعا عاجلا رفيع المستوى لبحث أشكال الدعم الممكن تقديمها للرياض، بعد تصاعد الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيرة. ونقلت رويترز، الجمعة، أن السلطات السعودية أعلنت اعتراض ستة صواريخ باليستية أطلقها الحوثيون، بينما كانت مناطق تشمل مكة وجدة وينبع قد شهدت إجراءات إنذار مرتبطة بالهجمات.
لكن أهمية الاجتماع تتجاوز التطورات العسكرية الآنية. فالدول الثلاث وقعت في غشت الماضي «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي ينص على اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا. وكانت أنقرة قد أعلنت استعدادها لتلبية احتياجات عسكرية وتقنية سعودية بموجب الاتفاق، بينما تبنت إسلام آباد حتى الآن موقفا أكثر حذرا بشأن طبيعة أي تدخل عسكري مباشر.
ويأتي اختبار الاتفاق في ظرف تغيرت فيه خريطة الصراع اليمني. فقد وسع الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة نطاق سيطرتهم على الساحل اليمني للبحر الأحمر، ووصلوا إلى مواقع وجزر استراتيجية قرب باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وتربط هذه التحركات بين الحرب داخل اليمن وبين أمن الملاحة وإمدادات الطاقة العابرة للمنطقة.
كما تعرض خط أنابيب سعودي استراتيجي يربط شرق المملكة بميناء ينبع على البحر الأحمر لهجوم بطائرات مسيرة، ما تسبب في تعطيل جزء من قدرته لأسابيع. وتكتسب هذه المنشأة أهمية خاصة لأنها توفر للسعودية مسارا لتصدير النفط بعيدا عن مضيق هرمز، بينما تؤدي سيطرة الحوثيين على مواقع قرب باب المندب إلى زيادة المخاطر على المسار البديل عبر البحر الأحمر.
هذه المعادلة تفسر جزئيا انتقال الرياض نحو شبكة أوسع من الشركاء الأمنيين. فتركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي وقاعدة صناعات دفاعية متنامية، بينما تمتلك باكستان علاقات عسكرية تاريخية مع السعودية وقدرات عسكرية كبيرة. غير أن وجود اتفاق دفاعي لا يعني تلقائيا دخول البلدين الحرب، إذ لا تزال طبيعة المساعدة وحدودها موضع بحث، بحسب المعطيات المتاحة حتى الآن.
ويبرز في المقابل موقع الولايات المتحدة في هذه الهندسة الجديدة. فواشنطن، الحليف الأمني التقليدي للرياض، لم تنخرط حتى الآن في مواجهة عسكرية جديدة مع الحوثيين، بينما اتجهت السعودية إلى طلب دعم في مجال الدفاع الجوي من شركاء آخرين. وكانت بريطانيا قد أعلنت استعدادها لتقديم دعم محدود في مجال التزود بالوقود جوا، في مؤشر على تعدد قنوات الدعم التي تبحث عنها الرياض.
وقد يكتسب التحالف الثلاثي بعدا أوسع إذا تطورت الأزمة. فرئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش قال، الجمعة، إن الاتفاق بين تركيا والسعودية وباكستان يمكن أن يتوسع مستقبلا ليشمل دولا أخرى، وذهب إلى طرح إمكانية انضمام إيران ضمن إطار أوسع، وهو تصور يبقى في هذه المرحلة موقفا سياسيا تركيا وليس مشروعا متفقا عليه بين الأطراف.
بالنسبة إلى المغرب، لا تبدو هذه التحولات بعيدة جغرافيا عن مصالحه الاقتصادية. فالبحر الأحمر وباب المندب جزء من الطريق البحري الذي يربط آسيا بالمتوسط والمحيط الأطلسي، وأي اضطراب طويل الأمد ينعكس على تكاليف الشحن والطاقة وسلاسل الإمداد التي تصل إلى الموانئ المغربية.
والسؤال الذي يفتحه اجتماع الرياض لذلك لا يتعلق فقط بحجم المساعدة التي قد تقدمها تركيا وباكستان للسعودية، بل بما إذا كانت الأزمة اليمنية تدفع دول المنطقة إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر تنوعا، في وقت تتعرض فيه الممرات البحرية ومصادر الطاقة لضغوط متزامنة. وحتى الآن، يظل من المبكر اعتبار الاتفاق الثلاثي بديلا للتحالفات الأمنية التقليدية؛ لكنه يواجه في الأزمة الحالية أول اختبار عملي لمدى قدرته على الانتقال من النصوص إلى التنسيق الفعلي.


