آثار لا تنتهي مبكرا.. كيف تشكل التربية الباردة علاقاتنا؟

لا تنتهي آثار الطفولة دائما بانتهاء سنواتها. فطريقة تعامل الوالدين مع مشاعر الطفل يمكن أن تترك بصماتها في علاقاته، وطريقته في طلب الدعم، وحتى في نظرته إلى نفسه بعد سنوات طويلة.

وتشير كتابات نفسية حديثة إلى أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئة لا تحظى فيها مشاعرهم بالإنصات أو الاعتراف قد يتعلمون مبكرا إخفاء احتياجاتهم العاطفية والاعتماد المفرط على أنفسهم.

ولا يعني ذلك أن كل من عاش تجربة مماثلة سيواجه المشكلات نفسها، لكن بعض الأنماط تتكرر لدى عدد من البالغين.

إخفاء المشاعر

من أكثر الآثار شيوعا صعوبة التعبير عن المشاعر الحقيقية.

فالطفل الذي يعتاد أن يقابل حزنه أو خوفه بالتجاهل أو التقليل من شأنه قد يتعلم أن الاحتفاظ بمشاعره لنفسه أكثر أمانا من الإفصاح عنها.

وفي مرحلة الرشد، قد يظهر ذلك في الميل إلى القول إن كل شيء بخير حتى في أوقات الضغط، أو في تجنب الحديث عن الاحتياجات الشخصية مع الشريك والأصدقاء.

تقديم الدعم دون طلبه

قد يصبح بعض من عاشوا هذا النوع من التربية أكثر قدرة على الاستماع إلى الآخرين ومساندتهم من قدرتهم على طلب المساعدة لأنفسهم.

فهم يعرفون كيف يكونون موجودين عندما يحتاج إليهم الآخرون، لكنهم قد يجدون صعوبة في إظهار ضعفهم أو الاعتراف بأنهم هم أيضا بحاجة إلى الدعم.

ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحول بعض العلاقات إلى علاقات غير متوازنة؛ يقدم فيها الشخص الكثير لكنه يحتفظ بمعظم احتياجاته لنفسه.

الاقتراب ثم الابتعاد

قد يظهر أثر آخر في العلاقة بالقرب العاطفي.

فالشخص قد يرغب بشدة في علاقة مستقرة وحميمة، لكنه يتراجع عندما يشعر بأنه أصبح مكشوفا عاطفيا أو معرضا للرفض.

وهكذا قد تتأرجح بعض العلاقات بين الرغبة في القرب والخوف منه، وهو نمط تربطه بعض الأدبيات النفسية بالطريقة التي تشكل بها الإحساس بالأمان والثقة خلال الطفولة.

حساسية تجاه النقد

الطفل الذي يكبر في بيئة يكثر فيها الانتقاد ويقل فيها التشجيع قد يحمل معه، في مرحلة الرشد، صوتا داخليا شديد القسوة.

ولهذا يمكن أن تصبح الملاحظات البسيطة أكبر من حجمها، أو تُفهم باعتبارها رفضا شخصيا، حتى عندما لا تكون كذلك.

وقد يستمر أيضا البحث عن رضا الآخرين أو موافقتهم، باعتبارهما بديلا عن التقدير الذي افتقده الشخص في سنواته الأولى.

نجاح لا يصاحبه دائما رضا

قد يحقق الإنسان نجاحا مهنيا أو شخصيا، ومع ذلك يجد صعوبة في الاستمتاع بما حققه.

ويربط مختصون هذا الشعور، في بعض الحالات، بصعوبة الاعتراف بالاحتياجات العاطفية أو الشعور باستحقاق التقدير.

فالإنجاز الخارجي لا يعوض دائما الشعور الداخلي بالأمان أو القبول.

ليست حكما على المستقبل

مع ذلك، لا ينبغي تحويل هذه السمات إلى تشخيص جاهز.

وجود واحدة أو أكثر من هذه السلوكيات لا يعني تلقائيا أن الشخص تعرض لإهمال عاطفي في طفولته، كما أن التجارب المبكرة لا تحدد مستقبل الإنسان بصورة حتمية.

فالوعي بهذه الأنماط، وتعلم التعبير عن الاحتياجات، ووضع حدود صحية، وبناء علاقات أكثر أمانا، كلها عوامل يمكن أن تساعد على تغيير سلوكيات استمرت لسنوات.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img