بعد نحو 250 عاما من الحضور في البحر المتوسط، تستعد الولايات المتحدة لمرحلة مختلفة في علاقتها بالمنطقة، قد يتراجع فيها وزن الانتشار العسكري التقليدي لصالح حضور أكثر انتقائية، بينما تتجه أولويات واشنطن بصورة متزايدة نحو المحيطين الهندي والهادئ، وتصعد الصين، وتتحمل أوروبا مسؤوليات أكبر في جوارها الجنوبي.
هذا التحول هو محور ورقة تحليلية لإيان ليسر، الباحث البارز في مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، يستعيد فيها تاريخ العلاقة الأمريكية بالمتوسط منذ السنوات الأولى للجمهورية، قبل أن يطرح السؤال الذي يحكم مستقبلها: هل ستظل الولايات المتحدة قوة متوسطية؟
الإجابة التي تقدمها الورقة لا تشير إلى انسحاب أمريكي، بقدر ما ترسم ملامح إعادة تشكيل للحضور في منطقة ظلت، طوال قرنين ونصف، مرتبطة بالمصالح التجارية والأمنية والدبلوماسية لواشنطن.
ويظهر المغرب مبكرا في هذا التاريخ.
فالورقة تستحضر المعاهدة التي أبرمتها المملكة المغربية والولايات المتحدة سنة 1786، بعد اعتراف المغرب بالولايات المتحدة دولة مستقلة سنة 1777، ضمن البدايات الأولى للنشاط الدبلوماسي والتجاري الأمريكي في شمال إفريقيا والمتوسط.
ولم تكن المصالح الاقتصادية منفصلة عن الأمن.
ففي مطلع القرن التاسع عشر تدخلت الولايات المتحدة على الساحل المغاربي في سياق حماية الملاحة والتجارة، وسط منافسة بريطانية وفرنسية على أسواق المنطقة.
ومنذ تلك المرحلة المبكرة، أصبح المتوسط بالنسبة إلى واشنطن فضاء تتقاطع فيه التجارة والدبلوماسية والقوة العسكرية.
قوة متوسطية بلا سياسة متوسطية
المفارقة التي يرصدها ليسر هي أن الولايات المتحدة، رغم هذا التاريخ الطويل، لم تطور فعليا سياسة تنظر إلى المتوسط باعتباره فضاء استراتيجيا واحدا.
فالمؤسسات الأمريكية تقسم المنطقة بين الشؤون الأوروبية والأوراسية من جهة، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا من جهة أخرى، كما تتوزع المسؤوليات العسكرية بين قيادات مختلفة، بينما يظل الأسطول السادس الأمريكي، المتمركز في نابولي، أبرز بنية عسكرية أمريكية تحمل اختصاصا متوسطيا واضحا.
ويرى الباحث أن هذا التقسيم أدى إلى نقص في التفكير بالمتوسط كمنظومة مترابطة، على خلاف المقاربة الأمريكية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ.
لكن غياب سياسة تحمل اسم “المتوسط” لم يمنع المنطقة من البقاء داخل الحسابات الأمريكية.
أربعة دوافع للحضور
يحدد ليسر أربعة عوامل رئيسية تفسر استمرارية الاهتمام الأمريكي بالمتوسط. أولها أمن أوروبا.
فرغم أن المنطقة لم تكن في الغالب المسرح الأول في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، فإنها اكتسبت أهمية خلال الحرب الباردة، ثم في مكافحة الإرهاب والدفاع الصاروخي، وصولا إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا.
وتشير الورقة إلى أن الحضور البحري والجوي الأمريكي في جنوب أوروبا والمتوسط أصبح، في هذا السياق، أكبر مما كان عليه منذ عقود.
العامل الثاني يرتبط بالجغرافيا. فالمتوسط يمثل ممرا استراتيجيا نحو مناطق أخرى تحظى بأهمية مباشرة لدى واشنطن، من البحر الأحمر والخليج إلى منطقة الساحل.
ومع تحول طبيعة المنافسة الدولية، لم يعد الأمر مقتصرا على حركة القوات والسفن، بل امتد إلى حماية الموانئ وشبكات الطاقة والكابلات الرقمية والبنية التحتية التي تربط مناطق مختلفة من العالم.
أما العامل الثالث فهو إدارة الأزمات.فمن شمال إفريقيا إلى البلقان ولبنان وشرق المتوسط، دفعت بؤر التوتر المتعاقبة الإدارات الأمريكية إلى العودة باستمرار إلى المنطقة، سواء من خلال الانتشار العسكري أو النشاط الدبلوماسي والوساطة.
ويظل الاقتصاد العامل الرابع والأكثر استمرارية. فالتجارة وحماية الاستثمارات شكلتا جزءا من العلاقة الأمريكية بالمتوسط منذ السنوات الأولى للجمهورية، حتى في المراحل التي طغت فيها الاعتبارات الأمنية، مثل الحرب الباردة والحرب على الإرهاب.
من السويس إلى غزة
ويكشف تاريخ الحضور الأمريكي أن المتوسط لم يكن دائما مجال توافق بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
ففي أزمة السويس سنة 1956 عارضت الولايات المتحدة السياسة البريطانية والفرنسية تجاه مصر، كما ظهرت خلافات عبر الأطلسي بشأن حرب الجزائر، ثم في محطات مرتبطة بإسرائيل، وصولا إلى الاختلافات الحديثة بشأن غزة وإيران.
وفي المقابل، حافظ الجانبان على تعاون واسع في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب، من الجماعات المسلحة في أوروبا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي إلى تنظيم القاعدة و”داعش”، إضافة إلى التحركات المشتركة في البلقان وليبيا.
وتمنح الورقة إسرائيل موقعا خاصا داخل العلاقة الأمريكية بالمتوسط، معتبرة الدعم الأمريكي لها عنصرا مستمرا في السياسة الخارجية والأمنية لواشنطن.
لكن ليسر يرصد أيضا تغيرات داخل الولايات المتحدة، أبرزها تراجع الدعم لإسرائيل لدى قطاعات من الرأي العام، خصوصا الشباب، بالتوازي مع خلافات سياسية حول غزة وحل الدولتين والاستيطان في الضفة الغربية.
المتوسط يصبح أكثر ازدحاما
التحدي المقبل أمام الولايات المتحدة لا يرتبط بالمنطقة وحدها، بل بتغير ميزان القوى الدولي.فالصين وسعت حضورها التجاري والسياسي حول المتوسط، بينما يتوقع ليسر أن تضطلع أوروبا بدور أكبر في الأمن والدبلوماسية والاقتصاد.
وقد يصبح حلف شمال الأطلسي أكثر اعتمادا على الأوروبيين خلال السنوات المقبلة، بما في ذلك في استراتيجيته تجاه الجنوب، فيما تعمل دول مثل إيطاليا على تعزيز روابطها العابرة للمتوسط مع إفريقيا.
وهذا التحول يتزامن مع ضغط آخر على واشنطن يأتي من الشرق.فالتحديات المتزايدة في المحيطين الهندي والهادئ ستواصل جذب الاهتمام والموارد الأمريكية، بما قد يدفع إلى تقليص بعض أشكال الانتشار العسكري في أوروبا وشمال الأطلسي والمتوسط.
حضور يتغير ولا ينتهي
مع ذلك، لا يتوقع ليسر نهاية الدور الأمريكي في المتوسط.فأمن أوروبا، والارتباط بمناطق مجاورة، وإدارة الأزمات والمصالح الاقتصادية ستظل عوامل تدفع واشنطن إلى الحضور، حتى مع تغير حجمه وأدواته.
كما تكشف التجربة التاريخية عن نمط متكرر: عندما تتراجع المنطقة في سلم الأولويات الأمريكية، تستطيع أزمة جديدة أن تعيدها بسرعة إلى واجهة الاهتمام السياسي والعسكري.
والفارق أن الولايات المتحدة ستتحرك مستقبلا في متوسط أكثر تنافسا، مع حضور صيني متزايد، وأوروبا تسعى إلى دور أكثر استقلالية، وموارد أمريكية موزعة على ساحات استراتيجية أبعد.
لذلك، فإن المرحلة الجديدة التي تستشرفها الورقة ليست انسحابا أمريكيا من المتوسط، وإنما تحولا في شكل القوة المستخدمة داخله وفي توزيع الأدوار بين ضفتيه.
فالانتشار العسكري سيظل جزءا من المعادلة، لكنه لن يكون المقياس الوحيد للنفوذ في منطقة أصبحت فيها التجارة والاستثمار والبنية التحتية والربط وإدارة الأزمات عناصر متزايدة الأهمية.
وبالنسبة إلى المغرب، تحمل هذه المسيرة دلالة تاريخية خاصة: المملكة التي حضرت في البدايات الأولى لعلاقة الجمهورية الأمريكية الناشئة بالمتوسط، تظل بعد نحو 250 عاما جزءا من ضفته الجنوبية، في اللحظة التي تعيد فيها واشنطن حساب شكل حضورها في هذا الفضاء.


