100 ألف دولار للقبطان.. هرمز يصنع اقتصادا جديدا للمخاطر

عاد النفط إلى التدفق عبر مضيق هرمز بمستويات تقترب من تلك المسجلة قبل الحرب، لكن العودة لم تكن مجانية. خلف كل ناقلة تعبر الممر اليوم فاتورة متضخمة تبدأ من أجور البحارة، وتمر بالتأمين، وتصل إلى أكثر من مليون دولار لاستئجار السفينة ليوم واحد.

وتكشف بيانات حديثة أن الحرب لم تنجح في وقف حركة النفط بصورة دائمة، لكنها غيرت اقتصاد نقله. بعض قباطنة الناقلات باتوا يحصلون على ما يصل إلى 100 ألف دولار شهريا، مع مكافآت قد تبلغ 50 ألف دولار مقابل العبور، في انعكاس مباشر للمخاطر التي تواجه الطواقم.

ويكتسب الرقم دلالته عند مقارنته بالأجر المعتاد للقبطان، الذي يدور حول 15 ألف دولار شهريا. كما ارتفعت تعويضات بعض أفراد الطواقم إلى أضعاف مستوياتها السابقة، فيما تمنح قواعد العمل في مناطق الحرب البحارة، في حالات معينة، إمكانية رفض الإبحار.

الناقلة بمليون دولار يوميا

لا تقف الفاتورة عند الطاقم. فقد قفزت تكلفة استئجار بعض ناقلات النفط العاملة عبر المنطقة إلى نحو 1.2 و1.3 مليون دولار يوميا، مقابل مستويات كانت تدور حول عشرات آلاف الدولارات قبل الحرب.

وتشير حسابات رويترز إلى أن تكلفة نقل الخام من الشرق الأوسط إلى آسيا على ناقلات عملاقة تجاوزت 1.2 مليون دولار يوميا، بعدما كانت في حدود 30 ألف دولار في يناير. ونتيجة لذلك، ارتفعت حصة النقل من السعر النهائي للبرميل من نحو 3 في المئة إلى قرابة 27 في المئة.

وهنا يظهر أحد التحولات الأقل وضوحا في أزمة الطاقة الحالية. فالمشكلة لم تعد محصورة في سعر النفط أو توفره، بل أصبحت تكلفة الوصول إليه جزءا متزايدا من السعر الذي تدفعه الأسواق.

النفط يعود رغم الخطر

المفارقة أن هذا الارتفاع الكبير في التكلفة يتزامن مع تعافي حركة الصادرات.

وأظهرت بيانات تتبع الناقلات أن صادرات الخام من المنطقة عادت خلال نهاية شتنبر إلى مستويات قريبة من تلك المسجلة قبل الحرب، بل تجاوزتها في بعض الفترات.

وبلغ المتوسط المتحرك لسبعة أيام للصادرات نحو 18.3 مليون برميل يوميا، مقابل متوسط يقارب 18 مليون برميل يوميا خلال السنة السابقة للحرب.

لم يحدث ذلك لأن هرمز عاد إلى وضعه الطبيعي، بل لأن شركات النفط والنقل بدأت تتكيف مع وضع غير طبيعي.

ومن بين الآليات المستخدمة تشغيل ناقلات لعبور المناطق الأكثر خطورة، ثم نقل الشحنات إلى سفن أخرى خارج الخليج، إلى جانب استخدام خطوط الأنابيب والمسارات البديلة حيثما كان ذلك ممكنا.

وبذلك تحولت الملاحة من نموذج يقوم على أقصر طريق وأقل تكلفة إلى نموذج تكون فيه الأولوية لإخراج الشحنة من منطقة الخطر، ولو استدعى ذلك سفنا إضافية وتأمينا أعلى وأجورا استثنائية.

هرمز مفتوح.. ولكن بأي ثمن؟

هذا الواقع يضع الجدل بشأن قدرة إيران على التحكم في المضيق في سياق مختلف.

فالولايات المتحدة تعتبر عودة التدفقات دليلا على تراجع قدرة طهران على التحكم في هرمز. لكن استمرار الهجمات وارتفاع تكاليف التأمين والنقل يشيران إلى أن قياس النفوذ بعدد السفن التي تعبر وحده لا يقدم الصورة كاملة.

إغلاق المضيق ليس الطريقة الوحيدة للتأثير في التجارة.

يكفي استمرار احتمال استهداف ناقلة حتى تعيد شركات التأمين حساباتها، ويطالب البحارة بتعويضات أكبر، وترتفع أسعار استئجار السفن، وتضطر الشركات إلى بناء مسارات أكثر تعقيدا لحماية الشحنات.

بهذا المعنى، قد تكون إيران أقل قدرة على وقف حركة النفط مما كانت عليه في بداية الأزمة، لكنها ما تزال قادرة على المساهمة في رفع تكلفة استخدام الطريق.

فاتورة تصل إلى المستهلك

ولا تبقى هذه التكلفة داخل مضيق هرمز. فارتفاع أجور الشحن والتأمين يدخل في حساب سعر البرميل عند وصوله إلى المصافي، ثم ينتقل جزء منه إلى المنتجات النفطية والنقل وسلاسل الإمداد.

ويأتي ذلك بينما تجاوز خام برنت مجددا مستوى 100 دولار للبرميل، مع استمرار الضغوط على المخزونات العالمية وسوق المنتجات المكررة، وخصوصا الديزل.

ورفعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية توقعاتها لمتوسط سعر برنت خلال الربع الأخير من 2026 إلى 105 دولارات للبرميل، في وقت تناقش فيه الدول المستهلكة استخدام مزيد من الاحتياطيات لمواجهة الضغوط على السوق.

والنتيجة أن ما يحدث في هرمز لم يعد أزمة إمدادات بالمعنى التقليدي. البراميل موجودة، والناقلات تعبر، والأسواق ما تزال تحصل على النفط، لكن سلسلة النقل بأكملها أصبحت أكثر تكلفة.

قبل الحرب، كان السؤال الذي يخيف الأسواق هو ما إذا كانت إيران قادرة على إغلاق مضيق هرمز. أما بعد أشهر من التكيف، فقد تغير السؤال.

هرمز ما يزال مفتوحا، لكن العالم يدفع أكثر مقابل كل برميل يعبره.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img