من أزمة 2007 إلى هدوء 2026.. هل فهمت مدريد رسالة الرباط؟

لم تستدع الرباط سفيرها من مدريد، ولم تصدر احتجاجا رسميا على زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، على خلاف ما حدث قبل تسعة عشر عاما عندما أثارت زيارة والده خوان كارلوس أزمة دبلوماسية بين البلدين.

لكن غياب كبار المسؤولين المغاربة عن احتفال العيد الوطني الإسباني بالرباط، عشية الزيارة، فتح الباب أمام قراءة مختلفة لهذا الهدوء: هل اختار المغرب إيصال موقفه عبر إشارات بروتوكولية محسوبة، أم أنه فضل عدم الانخراط في صراع سياسي تدور فصوله أساسا داخل إسبانيا؟

في نونبر 2007، لم تتردد الرباط في التعبير علنا عن رفضها زيارة الملك خوان كارلوس والملكة صوفيا إلى سبتة ومليلية. فقد استدعت سفيرها لدى مدريد، عمر عزيمان، للتشاور يوم 2 نونبر، قبل وصول العاهل الإسباني إلى المدينتين، فيما رافقت الزيارة احتجاجات سياسية ومواقف رسمية رافضة لها.

كانت تلك واحدة من أبرز محطات التوتر بين البلدين بشأن المدينتين، اللتين تتمسك إسبانيا بسيادتها عليهما، بينما يطالب المغرب باسترجاعهما.

أما يومي 13 و14 أكتوبر 2026، فقد بدا المشهد مختلفا. أجرى فيليبي السادس، رفقة الملكة ليتيثيا، زيارته إلى المدينتين دون أن تعلن الرباط إجراءات احتجاجية مماثلة، رغم استمرار الخلاف التاريخي حول وضعهما.

غير أن الصمت الرسمي لم يكن المعطى الوحيد الذي استوقف المراقبين.

ففي تقرير نشرته يوم 13 أكتوبر، كشفت وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي» أن حفل الاستقبال الذي نظمته السفارة الإسبانية بالرباط يوم 12 أكتوبر، بمناسبة العيد الوطني لإسبانيا، لم يشهد حضور أي وزير أو مسؤول مغربي رفيع المستوى، خلافا لاحتفال السنة الماضية، الذي شارك فيه عدد من الوزراء ومستشار للملك محمد السادس.

واعتبرت الوكالة هذا الغياب إشارة إلى التباعد الدبلوماسي، خصوصا أنه تزامن مع زيارة ملكية يعرف الطرفان مسبقا حساسيتها السياسية.

ويمنح هذا التفصيل البروتوكولي الصمت المغربي دلالة محتملة تتجاوز مجرد الامتناع عن التعليق. فالغياب عن احتفال رسمي يمكن أن يشكل تعبيرا عن التحفظ، دون اتخاذ إجراءات دبلوماسية معلنة تستدعي ردا مقابلا، كما حدث سنة 2007.

ومع ذلك، فإن تفسير الغياب باعتباره مقاطعة مقصودة يحتاج إلى معطيات إضافية بشأن أسباب عدم مشاركة المسؤولين، لا سيما أن الاحتفال تزامن مع مرحلة تشكيل الحكومة المغربية الجديدة.

وقبل يومين من زيارة فيليبي السادس، كان الباحث في الشأن الإسباني نبيل دريوش قد قدم، في تصريحات خص بها «المحيط» يوم 11 أكتوبر، قراءة ربطت الجولة الملكية بالتجاذبات السياسية الداخلية في إسبانيا، معتبرا أن رسائلها تتجه إلى الداخل الإسباني أكثر مما تتجه إلى المغرب.

وربط دريوش الزيارة بالصراع بين رئيس الحكومة بيدرو سانشيز وقوى اليمين الإسباني، في أعقاب أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز، وما أثارته من خلافات بشأن مسؤولية الحكومة المركزية عن تدبير الحدود وتداعيات الأزمة.

وفي تقدير الباحث، فإن سبتة تحولت إلى إحدى ساحات المنافسة السياسية الإسبانية، بينما اكتسب حضور المؤسسة الملكية في المدينتين أبعادا تتجاوز الطابع البروتوكولي للزيارة.

وتقدم هذه القراءة مفتاحا مهما لفهم الهدوء المغربي. فإذا كانت الجولة الملكية تستجيب، في جانب منها، لحسابات سياسية إسبانية داخلية، فقد تكون الرباط قدرت أن الرد عليها باحتجاج دبلوماسي قوي سيمنحها بعدا خارجيا إضافيا، ويتيح للأطراف السياسية الإسبانية توظيف الموقف المغربي في صراعاتها.

فأي تصعيد صادر عن الرباط كان يمكن أن ينقل النقاش من مسؤولية الحكومة الإسبانية عن تدبير أزمة الهجرة، والخلافات بين سانشيز ومعارضيه، إلى مواجهة دبلوماسية مباشرة مع المغرب، بما يسمح للقوى السياسية الإسبانية بإعادة ترتيب خطابها حول الدفاع عن السيادة والوحدة الوطنية.

وبهذا المعنى، ربما لم يكن الهدوء المغربي مجرد رغبة في تجنب التوتر، بل اختيارا لعدم التحول إلى طرف في معركة سياسية إسبانية، مع الاحتفاظ بهامش للتعبير عن التحفظ عبر إشارات أقل حدة من استدعاء السفير أو إصدار احتجاج رسمي.

وتكتسب هذه القراءة أهميتها من طبيعة الظرفية الإسبانية، حيث تتداخل حسابات الحكومة والمؤسسة الملكية والقوى الحزبية بشأن سبتة ومليلية. وفي هذا السياق، يمكن فهم الهدوء المغربي باعتباره تعاملا حذرا مع زيارة تتجاوز أبعادها الدبلوماسية إلى رهانات السياسة الداخلية الإسبانية، دون أن يعني ذلك تغييرا في موقف الرباط من المدينتين.

غير أن حسابات السياسة الإسبانية لا تكفي وحدها لتفسير اختلاف التعامل المغربي بين 2007 و2026، إذ تغيرت خلال هذه الفترة طبيعة العلاقات الثنائية وحجم المصالح المشتركة.

إٌقرأ أيضا: دريوش لـ«المحيط»: زيارة ملك إسبانيا لسبتة ومليلية تحركها صراعات داخلية

فمنذ أبريل 2022، دخل البلدان مرحلة جديدة عقب زيارة بيدرو سانشيز إلى الرباط ولقائه الملك محمد السادس، وما أعقب ذلك من اعتماد خارطة طريق للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني، وتدبير ملفات الهجرة والحدود.

وأصبح الحفاظ على قنوات التنسيق أحد العناصر الأساسية في العلاقة، خصوصا أن أي تدهور دبلوماسي قد يمتد إلى مجالات تتجاوز الخلاف حول المدينتين.

وتعكس الأرقام الاقتصادية حجم هذا التشابك. فبحسب معطيات أوردتها وكالة «إيفي»، بلغت المبادلات التجارية بين المغرب وإسبانيا نحو 22.69 مليار يورو سنة 2024، في وقت حافظت فيه مدريد على موقعها باعتبارها الشريك التجاري الأول للمملكة.

ويعني هذا الترابط أن الخلافات السياسية لم تعد تتحرك بمعزل عن شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية، وهو ما قد يفسر حرص الطرفين على إبقاء التوتر تحت السيطرة.

ولعل أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة في يوليوز الماضي أبرزت مجددا حساسية التعاون الحدودي. فالمدينة التي تحولت إلى موضوع للتجاذب داخل إسبانيا هي نفسها التي يعتمد استقرارها اليومي بدرجة كبيرة على استمرار التنسيق بين السلطات المغربية والإسبانية.

ومن هنا، يمكن النظر إلى الزيارة الملكية باعتبارها حدثا يحمل رسالتين مختلفتين: إسبانية داخلية، تتعلق بالحضور المؤسسي والتعامل مع أزمة الهجرة؛ وأخرى دبلوماسية، تتمثل في تأكيد الموقف الإسباني من السيادة على المدينتين.

أما من الجانب المغربي، فقد يكون عدم الانخراط في مواجهة مباشرة وسيلة لتجنب منح الرسالة الإسبانية بعدا سياسيا أكبر، مع المحافظة على المصالح المشتركة التي أصبحت تضبط إيقاع العلاقات الثنائية.

لكن هل وصلت هذه الرسالة إلى مدريد؟

تقدم التغطية الإعلامية الإسبانية مؤشرا على أن الغياب المغربي لم يمر دون ملاحظة. فقد توقفت وكالة «إيفي» عند عدم حضور الوزراء وكبار المسؤولين حفل السفارة، وربطته بما وصفته بالتباعد الدبلوماسي.

وهذا يعني أن السلوك البروتوكولي، أيا كانت دوافعه، وجد صداه في المجال الإعلامي الإسباني. غير أن ذلك لا يكشف بالضرورة كيف قرأته الحكومة الإسبانية، أو ما إذا كانت قد تلقت توضيحات مباشرة من الرباط.

ومن اللافت أيضا أن الطرفين لم يذهبا، خلال الزيارة، إلى خطوات من شأنها تعميق الخلاف. فقد أتم فيليبي السادس جولته، بينما استمر الصمت الرسمي المغربي دون الإعلان عن استدعاء السفير أو اتخاذ تدابير دبلوماسية مماثلة لما وقع سنة 2007.

وفي الداخل المغربي، لم يمنع هذا الهدوء من بروز مواقف سياسية رافضة للزيارة. فقد أدان تحالف اليسار، المكون من فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، في بيان صادر يوم 14 أكتوبر، زيارة العاهل الإسباني، معبرا عن استغرابه من الصمت الحكومي، ومجددا المطالبة باسترجاع المدينتين.

ويبرز هذا التباين بين الموقف الحزبي والسلوك الرسمي اختلاف مستويات التعامل مع القضية، بين خطاب سياسي يعبر بصورة مباشرة عن الاعتراض، ودبلوماسية تترك تفسير موقفها مفتوحا.

وبالعودة إلى المقارنة التاريخية، يبدو أن الفارق الأساسي بين 2007 و2026 يكمن في طريقة التعبير عن الخلاف أكثر من ارتباطه بمضمونه. ففي الزيارة الأولى اختارت الرباط الاحتجاج العلني، بينما طبعت الزيارة الثانية درجة أكبر من التحفظ، رغم استمرار المطالب المغربية المتعلقة بالمدينتين.

وقد يكون ذلك انعكاسا لتغير حسابات العلاقات الثنائية، أو لتقدير مغربي بأن زيارة فيليبي السادس لا تستدعي إعادة إنتاج أزمة دبلوماسية، خصوصا إذا كانت دوافعها ترتبط أيضا بالصراع السياسي الإسباني الداخلي.

وتمنح قراءة نبيل دريوش، التي نشرها «المحيط» قبل الزيارة، بعدا إضافيا لهذا التفسير. فإذا كانت الجولة الملكية موجهة أساسا إلى الجمهور الإسباني، فإن الرد المغربي المحدود قد يكون جزءا من تقدير سياسي يقوم على عدم منحها وزنا خارجيا أكبر، وعدم السماح بتحويل المغرب إلى عنصر في المواجهة بين الحكومة الإسبانية وخصومها.

وعليه، لا يمكن اعتبار هدوء الرباط دليلا على قبول الزيارة، كما لا يكفي غياب المسؤولين عن احتفال دبلوماسي لإثبات وجود تعليمات بالمقاطعة. لكن اجتماع هذه المعطيات يسمح بقراءة سلوك البلدين باعتباره محاولة محتملة لضبط الخلاف دون التخلي عن المواقف المتعارضة.

بعد تسعة عشر عاما من أزمة خوان كارلوس، تبدو العلاقة المغربية الإسبانية أكثر تشابكا، فيما لا يزال ملف سبتة ومليلية يحتفظ بحساسيته التاريخية والسياسية.

ولعل ما تكشفه زيارة فيليبي السادس ليس نهاية الخلاف، بل اختلاف طريقة تدبيره. فقد تكون الرباط اختارت ألا تجعل من صراع سياسي داخلي إسباني أزمة جديدة بينها وبين مدريد، مكتفية بهدوء لا يخلو من إشارات دبلوماسية.

أما ما إذا كانت العاصمة الإسبانية قد فهمت الرسالة، فسيظل سؤالا مفتوحا، تتوقف الإجابة عنه على ما ستكشفه المواقف والاتصالات الدبلوماسية اللاحقة بين البلدين.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img