بعد ثلاث سنوات على زلزال الحوز.. من يحمي الصحافيين من الصدمات؟

قبل ثلاث سنوات من زلزال الحوز، زرت ويرغان وثلاث نيعقوب سائحا. تجولت في السوق، وتبادلت التحية مع السكان، واحتفظت في ذاكرتي بصورة قرى جبلية تنبض بالحياة. لكن عندما عدت إلى المنطقة في شتنبر 2023، هذه المرة صحافيا لتغطية الكارثة، وجدت السوق الذي عرفته قد سوي بالأرض، والبيوت التي مررت بجانبها مهدمة، ووجوه الناس قد غلب عليها الحزن.

لم تكن تلك مجرد صور شاهدتها خلال تغطية تلفزيونية استمرت نحو أسبوع، بل مشاهد ظلت حاضرة في ذاكرتي لأشهر بعد عودتي إلى الدار البيضاء. احتجت إلى عدة أيام لاستعادة إيقاع حياتي المعتاد، فيما بقي التفكير المتواصل في الدمار وشهادات الناجين يرافقني طويلا.

بعد ثلاث سنوات، أعود إلى تلك التجربة، ليس لاستعادة وقائع الزلزال أو تعداد خسائره، بل لطرح سؤال لم يحظ بما يستحقه من اهتمام في النقاش المهني: من يحمي الصحافيين من المخاطر والصدمات النفسية التي قد تتركها في نفوسهم تغطية الكوارث؟

حين تعود إلى مكان تعرفه فلا تتعرف إليه

في ليلة الجمعة 8 شتنبر 2023، ضرب زلزال مدمر منطقة الحوز، مخلفا خسائر بشرية ومادية واسعة. وخلال الأيام التالية، انتقلت إلى مراكش ومنها إلى عدد من المناطق المنكوبة في الأطلس الكبير، للعمل مراسلا تلفزيونيا مستقلا.

كنت قد عرفت بعض هذه المناطق قبل الكارثة، ولهذا كانت العودة إليها مختلفة عن الوصول إلى مكان أزوره لأول مرة.

في ثلاث نيعقوب، لم أجد السوق الأسبوعي الذي تجولت فيه قبل ثلاث سنوات. اختفت معالم كثيرة، وتحولت مبان إلى أنقاض، فيما كانت آثار الدمار حاضرة في الطرق والأزقة وعلى وجوه السكان.

كنت أحاول أن أقارن بين صورتين للمكان نفسه: صورة محفوظة في الذاكرة، وأخرى فرضها الزلزال. حيث كنت أرى الحركة والتجارة والحياة اليومية، أصبحت أرى الخيام والركام وأشخاصا فقدوا منازلهم أو أقاربهم.

وما زاد وقع المشهد علي أنني لم أعد بصفتي زائرا، بل صحافيا مطالبا بالإنصات وتوثيق ما حدث، مع الاحتفاظ بالتركيز المهني وسط مشاهد يصعب تجاهل أثرها الإنساني.

عندما انتهت التغطية وعدت إلى الدار البيضاء يوم 17 شتنبر، احتجت إلى عدة أيام حتى أعود إلى حياتي المعتادة. لم تكن المسألة، بالنسبة إلي، أعراضا نفسية مشخصة، بل إنهاكا عاطفيا وتفكيرا متواصلا فيما شاهدته.

لقد انتهت المهمة، لكن بعض صورها بقيت حاضرة لأشهر.

بين جبلين.. عندما يصبح الصحافي جزءا من الخطر

من بين التجارب التي غيرت نظرتي إلى تغطية الكوارث، ما حدث يوم الاثنين 11 شتنبر 2023، خلال محاولة الوصول إلى مناطق أكثر تضررا داخل جبال الأطلس الكبير.

كانت الطرق مكتظة بالسيارات المحملة بالمساعدات، وحركة السير بطيئة، وبعض المسالك متضررة أو معرضة لمخاطر إضافية.

بعد تعذر مواصلة الطريق في إحدى السيارات، قررت النزول ومحاولة العثور على وسيلة نقل أخرى. كان قراري مدفوعا بالرغبة في التقدم نحو المناطق المنكوبة، لكنني سرعان ما اكتشفت أن الأمر لم يكن بالبساطة التي تخيلتها.

وجدت نفسي وحيدا على طريق جبلي، أحمل حقيبة ملابس وحاسوبا، فيما كانت الشمس تقترب من الغروب. لم أجد بسهولة من يقلني، لأن معظم السيارات كانت ممتلئة بالمساعدات أو بالركاب.

بدأت أشعر بالندم على قرار النزول من السيارة. كان بإمكاني العودة إلى مراكش، لكنني وجدت نفسي في وضع أكثر تعقيدا، وسط طريق غير مألوفة وظروف يصعب التحكم فيها.

بعد انتظار طويل، تمكنت أخيرا من العودة إلى المدينة بمساعدة أشخاص كانوا يعبرون الطريق، ووصلت إلى مراكش في ساعة متأخرة من الليل.

لكن ما حدث كشف لي أن الخبرة الصحفية الطويلة، مهما كانت أهميتها، لا تعوض التدريب المتخصص في تغطية الكوارث.

فقد ساعدتني خبرتي السابقة على الإنصات إلى المصادر والتعامل مع الشهادات وإجراء التغطيات المباشرة، لكنها لم تكن كافية لضمان التخطيط الجيد للتنقل داخل مناطق منكوبة.

منذ تلك الليلة، غيرت طريقة استعدادي للمهمات اليومية. أصبحت أترك أغراضي في الفندق، وأكتفي بحقيبة خفيفة وماء والمعدات الضرورية للعمل.

كان درسا عمليا تعلمته بعدما عرضت نفسي لمخاطر كان يمكن تجنب بعضها بالاستعداد المسبق.

خوذة المراسل الكوري.. سؤال عن السلامة المهنية

خلال الأيام التي قضيتها في تغطية الزلزال، التقيت صحافيين من جنسيات مختلفة، ولاحظت تفاوتا في درجة الاستعداد الميداني بين بعض الفرق.

أذكر على وجه الخصوص مراسلا كوريا جنوبيا طلب مني مساعدته في الحصول على خوذة واقية بناء على تعليمات مؤسسته الإعلامية.

كنت أشاهد في الوقت نفسه زملاء مغاربة يتنقلون في المناطق المتضررة دون خوذات، رغم وجود طرق جبلية ومبان مهدمة ومخاطر مرتبطة بتساقط الصخور.

لم أنس هذا المشهد، لأنه دفعني إلى التفكير في الفرق بين الشجاعة المهنية والاستعداد المهني.

ولا أستطيع تعميم ما شاهدته على جميع الصحافيين المغاربة أو الأجانب، لكن التجربة أظهرت لي أن بعض المؤسسات تتعامل مع معدات السلامة باعتبارها جزءا من شروط أداء المهمة، بينما قد يترك الأمر في حالات أخرى لاجتهاد المراسل نفسه.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدا بالنسبة إلى الصحافيين المستقلين، الذين يعملون أحيانا دون تأطير دائم أو موارد مؤسساتية توفر لهم المعدات والتدريب والمواكبة.

كنت واحدا منهم. فقد أنجزت تغطية الزلزال بصفتي مراسلا مستقلا، دون أن أتلقى تدريبا متخصصا أو مواكبة نفسية من القناة خلال المهمة أو بعدها.

ومع ذلك، فإن المسؤولية لا تقع على المؤسسات وحدها. فالصحافي مطالب أيضا بتقييم المخاطر وعدم اتخاذ قرارات متهورة بدافع الوصول إلى موقع الحدث.

حين بكى زميلي أمام شهادة أحد الناجين

إذا كانت تجربة الطريق الجبلي قد علمتني أهمية السلامة الميدانية، فإن موقفا آخر في ثلاث نيعقوب جعلني أتوقف عند الأثر النفسي لشهادات الناجين على الصحافيين أنفسهم.

التقيت رفقة زميلي أسامة رجلا من سكان المنطقة استقبلنا بكرم، وأخذ يروي لنا ما عاشه ليلة الزلزال.

حكى كيف حاول إنقاذ جيرانه، بينما كان ابنه يتشبث بثيابه ويطلب منه الهرب. كان الرجل ممزقا، كما روى لنا، بين محاولة إنقاذ الآخرين والخوف على سلامة طفله.

أمام هذه الشهادة، لم يتمالك أسامة دموعه. ووجدت نفسي أعانقه محاولا التخفيف عنه.

كانت لحظة إنسانية تجاوزت حدود المقابلة الصحفية. فقد كنا مطالبين بالإنصات إلى الرجل وفهم ما عاشه ونقل قصته، لكننا كنا في الوقت نفسه نتأثر بما نسمعه.

تلك اللحظة بقيت في ذاكرتي، مثلها مثل صور السوق المدمر والطرقات التي عبرناها.

ورغم أنني لم أستمر في التواصل مع الرجل بعد انتهاء التغطية، فإنني ما زلت أتذكر كرمه، وأرغب في العودة إليه يوما لمعرفة كيف أصبحت حياته بعد الكارثة.

من خلال هذه التجربة أدركت أن الإنصات المهني لا يعني غياب المشاعر، وأن الصحافي ليس مطالبا بالتخلي عن إنسانيته حتى يؤدي عمله بجدية.

عندما تنتهي التغطية وتبقى آثارها

قد يغادر الصحافي منطقة الكارثة ويعود إلى منزله، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء أثر التجربة عليه.

فالمراسل الذي يتنقل بين المباني المنهارة، ويستمع إلى شهادات أشخاص فقدوا أقاربهم، ويعيش ساعات من القلق وعدم اليقين، قد يحتاج إلى وقت لاستيعاب ما شاهده.

ولا تعني هذه الاستجابة بالضرورة الإصابة باضطراب نفسي. فهناك فرق بين التأثر العاطفي أو الإجهاد الناتج عن العمل وبين الحالات التي تستوجب تشخيصا أو علاجا متخصصا.

لكن من المهم ألا تتحول القدرة على تحمل الضغط إلى معيار وحيد للحكم على كفاءة الصحافي.

خلال السنوات الماضية، تحدثت مع زملاء عن الإرهاق المرتبط بالعمل الميداني. وفي إحدى الحالات التي أحتفظ فيها بهوية صاحبها، علمت أن زميلا مراسلا إذاعيا تأثر نفسيا بتغطية الزلزال واحتاج إلى متابعة طبية.

ولا أورد هذه الحالة باعتبارها دليلا على انتشار اضطراب معين بين الصحافيين، وإنما مثالا على أن الحاجة إلى الدعم المتخصص يمكن أن تكون حقيقية لدى بعض العاملين في الميدان.

وفي أحاديثنا الجانبية، كثيرا ما يحضر موضوع الإرهاق والضغط النفسي. لكن الحديث عن الحاجة إلى المواكبة النفسية أمام المسؤولين قد يظل صعبا بالنسبة إلى بعض الصحافيين.

ومن واقع تجربتي في العمل الميداني وإدارة غرف الأخبار، أرجح أن ضعف الوعي بأهمية الصحة النفسية قد يكون أحد العوامل التي تجعل الاهتمام بهذه المسألة محدودا.

وتشير الأدبيات المتخصصة في صحافة الصدمات إلى أهمية الاستعداد النفسي والمهني للتغطيات الصعبة، وإتاحة الدعم المناسب، وعدم افتراض أن جميع الصحافيين يتعاملون بالطريقة نفسها مع المواقف الصادمة.

كما تؤكد إرشادات منظمة الصحة العالمية بشأن الإسعافات الأولية النفسية أهمية الإنصات وتقديم المساعدة الإنسانية والعملية، دون الضغط على الأشخاص لاستعادة تفاصيل التجارب المؤلمة، مع احترام احتياجاتهم وخصوصيتهم.

ولا تحل هذه المقاربات محل الرعاية المتخصصة عند الحاجة إليها، لكنها تبرز أهمية وجود بيئة مهنية لا تعتبر طلب المساعدة علامة ضعف.

أخلاقيات الكاميرا أمام الألم

من بين الأسئلة التي أثارتها في نفسي تغطية الزلزال، كيفية تعامل وسائل الإعلام مع الضحايا والناجين.

كنت أقدم تدخلاتي التلفزيونية أمام الكاميرا، ولم أتول تصوير الحالات الإنسانية المؤلمة بنفسي. لكنني شاهدت ممارسات إعلامية اعتبرت أن بعضها تجاوز الحدود التي ينبغي احترامها.

تعلق الأمر، على سبيل المثال، بتصوير جرحى أو توجيه الكاميرات نحو فضاءات تمس خصوصية أشخاص يعيشون لحظات شديدة الحساسية.

وسبق أن وثقت في مساهمتي بكتاب «على مقياس ريختر» مشاهدتي محاولة ترتيب لقطة لرجل مسن من جانب صحافيين أجانب، وهي واقعة أثارت لدي تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين توثيق المعاناة وصناعة المشهد المؤثر.

لا أرى أن مهمة الصحافي هي إخفاء آثار الكوارث عن الجمهور، لكن حق الناس في المعرفة لا يلغي مسؤوليتنا عن احترام كرامة الضحايا.

فليس كل مشهد مؤلم يستحق النشر لمجرد أنه قادر على جذب الانتباه، وليس كل شخص يعيش صدمة مستعدا للحديث أمام الكاميرا.

وعندما نطلب من الناجي استعادة لحظات فقدان أحد أقاربه، أو ندخل الكاميرا إلى مساحة خاصة، فإن علينا أن نفكر في الأثر الذي قد تتركه التغطية عليه، لا في قيمتها الإخبارية وحدها.

وهذا، بالنسبة إلي، جزء أصيل من أخلاقيات العمل الصحفي.

تسعة صحافيين يكتبون تجربتهم

بعد انتهاء التغطية، بدأت فكرة جمع تجارب عدد من الصحافيين الذين عملوا في مناطق الزلزال تتحول إلى مشروع كتاب.

توليت تنسيق «على مقياس ريشتر.. ما لم يرو في تغطية الصحفيين لزلزال الحوز» رفقة زميلي أسامة باجي، بمشاركة سبعة صحافيين آخرين، وصدر الكتاب في دجنبر 2024.

كان هدفنا أن تعم الفائدة من اختلاف التجارب الميدانية. فكل واحد منا عاش مواقف خاصة، وواجه صعوبات مختلفة، واكتشف جوانب من العمل الصحفي لا تظهر عادة في التقارير الإخبارية.

أردنا توثيق ما جرى خلف الكاميرات، لا الاكتفاء بإعادة سرد ما نُشر عن الزلزال.

ومع مرور الوقت، أصبحت أنظر إلى الكتابة عن هذه التجارب من زاوية أخرى أيضا.

فربما شكلت الكتابة بالنسبة إلينا نحن التسعة وسيلة للتعبير عن ثقل بعض الذكريات، وإعادة ترتيب ما عشناه وفهمه بصورة مختلفة.

لا أقول إن الكتابة عالجت الصدمات أو أزالت آثارها، ولا أستطيع الحديث نيابة عن جميع المشاركين، لكنني أرى أنها أتاحت لنا فرصة للعودة إلى التجربة بعيدا عن ضغط البث المباشر والسباق الإخباري.

وقد واجه المشروع صعوبات مرتبطة بانشغالات الزملاء وتأخر بعض المساهمات، ولم يشارك فيه جميع الصحافيين الذين وجهنا إليهم الدعوة.

وبعد صدوره، نظمت نحو ثلاثة حفلات توقيع متفرقة، بينها لقاء نظمه الزملاء المشاركين مع سكان الحوز ، ونقلوا إلينا ما لقيه المشاركون من ترحيب وكرم حيث غبت عن اللقاء.

كما تلقينا ردود فعل إيجابية من صحافيين، وقدمنا نسخا من الكتاب إلى زميل كان يعمل مع معهد الجزيرة للإعلام، بعدما أبدى اهتماما بهذه التجربة.

بالنسبة إلي، تكمن أهمية هذا المشروع في أنه منح الصحافيين فرصة للحديث عن تجاربهم هم أنفسهم، وليس فقط عن القصص التي نقلوها إلى الجمهور.

من الكتاب إلى المطالبة بالتدريب والمواكبة

لم تولد قناعتي بأهمية التدريب المتخصص في صحافة الكوارث بعد صدور الكتاب، بل أثناء تغطية الزلزال نفسها.

فعندما وجدت نفسي بين الجبال، أحمل حقيبتي وأبحث عن وسيلة نقل قبل حلول الظلام، أدركت أن بعض المخاطر التي تعرضت لها كان يمكن تفاديها لو توفرت لدي معرفة عملية أفضل بتدبير المهمات في مناطق الكوارث.

ومن هنا أصبحت أعتبر أن الخبرة الصحفية العامة، رغم أهميتها، تحتاج إلى تكوين يكملها في مجالات تقييم المخاطر والسلامة الميدانية والتخطيط للتنقل والتعامل مع الضحايا.

وخلال ترشحي لانتخابات المجلس الوطني للصحافة سنة 2026، أدرجت ضمن برنامجي مطلب التدريب المتخصص في تغطية الكوارث والأحداث الكبرى، إلى جانب المواكبة النفسية للصحافيين الميدانيين.

ولقيت هذه الأفكار تفاعلا من زملاء يعتبرون أن العمل الميداني، بما ينطوي عليه من مخاطر واحتكاك مباشر بمعاناة الناس، يستدعي اهتماما أكبر بصحة الصحافيين النفسية وسلامتهم.

واليوم، أرى أن من الضروري اعتماد تدريب إلزامي للصحافيين قبل تكليفهم بتغطية الكوارث، إلى جانب إتاحة مواكبة نفسية شهرية للعاملين في الميدان، دون أن يمنع ذلك من حصول أي صحافي على مساعدة متخصصة فور حاجته إليها.

ويفترض أن يشمل هذا التصور الصحافيين المستقلين أيضا، لأن مخاطر التغطية لا تختلف بحسب نوع العقد أو طبيعة العلاقة المهنية بالمؤسسة الإعلامية.

فالتدريب ليس ترفا، والمواكبة النفسية ليست امتيازا، بل عنصران يمكن أن يساهما في حماية المراسلين وتحسين جودة العمل الصحفي.

لا سبق صحفيا يستحق المجازفة بالحياة

بعد ثلاث سنوات على زلزال الحوز، ألاحظ أن بعض الصحافيين الذين خاضوا تجربة التغطية أصبحوا أكثر وعيا بالمخاطر الميدانية، لكنني لا أملك معطيات تسمح بالجزم بأن المؤسسات الإعلامية المغربية أحدثت تحولا شاملا في سياسات التدريب والسلامة والمواكبة النفسية.

وما أستطيع تأكيده هو أن تلك التجربة غيرت نظرتي شخصيا إلى الاستعداد للكوارث.

ولو طلب مني صحافي شاب اليوم نصيحة قبل التوجه لأول مرة إلى منطقة منكوبة، لقلت له إن عليه أن يستعد نفسيا، وأن يختار مكان إقامة آمنا نسبيا وبعيدا عن مصادر الخطر، ويؤمن وسيلة نقل مناسبة، ويستمع إلى السكان المحليين الذين يعرفون المسالك والظروف الميدانية.

وسأنصحه قبل كل شيء بألا يجازف بحياته من أجل تحقيق سبق صحفي.

فالقدرة على الوصول إلى مكان الحدث مهمة، لكن القدرة على العودة منه بسلام لا تقل أهمية.

في ليلة الجمعة 8 شتنبر 2023، بدأت مأساة إنسانية غيرت حياة آلاف الأسر في جبال الأطلس الكبير، وتركت آثارا عميقة في المناطق المنكوبة.

أما بالنسبة إلينا، نحن الصحافيين الذين انتقلوا إلى الميدان، فقد كانت أيضا تجربة أعادت طرح أسئلة مهنية وإنسانية حول حدود المخاطرة، وأخلاقيات الصورة، وتأثير الإنصات المتكرر إلى حكايات الفقد.

بعد ثلاث سنوات، ما زلت أتذكر سوق ثلاث نيعقوب كما عرفته قبل الزلزال، وأستعيد صور أنقاضه كما شاهدتها بعده.

وبين الصورتين، يبقى سؤال يتجاوز تجربتي الشخصية: كيف يمكن للصحافة أن تؤدي رسالتها في أصعب الظروف، إذا لم نوفر لمن ينقلون مآسي الآخرين التدريب والحماية والإنصات الذي يحتاجون إليه؟

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img