البنك الدولي: الذكاء الاصطناعي يعيد رسم مستقبل الوظائف إقليميا

في وقت تتسابق فيه دول العالم للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، يكشف تقرير حديث للبنك الدولي عن تحولات مرتقبة في أسواق العمل بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث قد تتحول التكنولوجيا التي تثير مخاوف بشأن اختفاء الوظائف إلى فرصة لتعزيز الإنتاجية وخلق أنشطة اقتصادية جديدة، وإن كانت الاستفادة منها ستظل متفاوتة بين البلدان والقطاعات.

ووفق تقرير البنك الدولي، الصادر في أكتوبر 2026 تحت عنوان من الفجوة إلى الفرصة: الذكاء الاصطناعي والوظائف والنمو، فإن أقل من 10 في المائة من الوظائف في المنطقة تواجه مخاطر الأتمتة في الأجل القريب، بينما تتوفر لدى ما بين 13 و20 في المائة من الوظائف إمكانات لتعزيز الإنتاجية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، خصوصا في قطاع الخدمات.

وتشير هذه النتائج إلى أن التأثير الأقرب للذكاء الاصطناعي قد يتمثل في تغيير طبيعة المهام المهنية وأساليب إنجازها، أكثر من التسبب في اختفاء واسع للوظائف، مع استمرار المخاطر التي تواجه بعض المهن والفئات الأقل قدرة على التكيف.

ويؤكد التقرير أن امتلاك التكنولوجيا لا يكفي لتحقيق مكاسب اقتصادية، إذ ترتبط الاستفادة منها بمدى توفر المهارات الرقمية والبنية التحتية والبيانات الملائمة، فضلا عن قدرة المقاولات والإدارات على إدماج الأدوات الذكية في أنشطتها اليومية.

وفي هذا السياق، يرصد البنك الدولي تفاوتا واضحا بين اقتصادات المنطقة. ففي الوقت الذي تستثمر فيه دول خليجية، خصوصا السعودية والإمارات، في مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية وتطوير منظومات الذكاء الاصطناعي، تواجه اقتصادات أخرى تحديات تتعلق بالتمويل والتكوين وتوسيع استخدام التكنولوجيا داخل المؤسسات.

ولا يعني هذا التفاوت أن البلدان الأقل قدرة على الاستثمار في البنية التحتية المتقدمة ستكون بالضرورة خارج المنافسة، إذ يشدد التقرير على أهمية التعاون الإقليمي وتطوير التطبيقات المتخصصة والاستثمار في الموارد البشرية، بدلا من سعي كل دولة إلى امتلاك جميع مكونات صناعة الذكاء الاصطناعي.

ومن بين المؤشرات اللافتة التي أوردها التقرير ارتفاع حصة أعضاء منصة لينكدإن الذين يعلنون امتلاك مهارات هندسة الذكاء الاصطناعي بأكثر من ثلاثة أضعاف بين سنتي 2016 و2025 في خمس دول، من بينها المغرب وتونس والأردن والبحرين وباكستان.

ويعكس هذا المؤشر توسع حضور المهارات التقنية المتقدمة لدى الفئات المهنية الممثلة في المنصة، لكنه لا يسمح وحده بقياس العدد الإجمالي للمتخصصين أو مدى قدرة أسواق العمل المحلية على استيعابهم.

ويلفت البنك الدولي أيضا إلى استمرار انتقال كفاءات متخصصة من بعض الاقتصادات متوسطة الدخل نحو دول الخليج وبلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في وقت تتنافس فيه الدول على استقطاب المهارات القادرة على تطوير التطبيقات والخدمات القائمة على الذكاء الاصطناعي.

وتطرح هذه التحولات تحديا أمام الاقتصادات التي تستثمر في تكوين الكفاءات، لكنها لا توفر دائما فرصا مهنية وبحثية كافية للاحتفاظ بها والاستفادة من خبراتها في تطوير الإنتاج المحلي.

وإلى جانب التفاوت في الاستثمارات والمهارات، يسلط التقرير الضوء على فجوة لغوية قد تحد من استفادة المنطقة من الذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى أن اللغة العربية، رغم انتشارها الواسع، لا تمثل سوى نحو 0.7 في المائة من عناوين صفحات الويب العالمية التي شملها القياس المعتمد.

ولا تعبر هذه النسبة عن الحجم الإجمالي للمحتوى العربي المستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، لكنها تكشف محدودية حضوره في جزء من البيئة الرقمية العالمية، وما يترتب عن ذلك من تحديات تتعلق بتطوير أدوات تستوعب اللغات واللهجات والسياقات المحلية.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى بلدان شمال إفريقيا، حيث يتداخل استعمال العربية والأمازيغية والفرنسية واللهجات المحلية في الحياة الاقتصادية والإدارية، ما يجعل تطوير البيانات والموارد اللغوية الملائمة أحد شروط توسيع الاستفادة من التكنولوجيا.

ويحدد البنك الدولي ثلاث فجوات رئيسية ينبغي معالجتها، تشمل ضعف تمثيل اللغات والبيانات المحلية، ومحدودية الاستخدام الفعلي للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، والحاجة إلى استثمارات إضافية في البنية التحتية والمهارات والقدرات التقنية.

وتوحي هذه الخلاصات بأن المنافسة المقبلة لن تقاس فقط بحجم الاستثمارات المعلنة أو عدد مراكز البيانات، بل أيضا بقدرة الاقتصادات على تحويل التكنولوجيا إلى مكاسب ملموسة في الإنتاجية وجودة الخدمات وفرص العمل.

وبالنسبة إلى المغرب، تفتح النتائج الإقليمية مجالا للنقاش بشأن كيفية توظيف تطور المهارات الرقمية في تحديث المقاولات والإدارات، خصوصا أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الشركات التكنولوجية الكبرى، بل يمكن أن تمتد إلى قطاعات الصناعة والخدمات والتجارة والتعليم.

غير أن هذا التحول يظل مشروطا بتوسيع فرص التكوين، وتيسير وصول المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى الحلول الرقمية، وتشجيع تطوير تطبيقات تستجيب لحاجيات السوق المحلية.

وفي المحصلة، يقدم التقرير رؤية تتجاوز المخاوف المرتبطة بفقدان الوظائف، ليضع مسألة توزيع مكاسب الذكاء الاصطناعي في صلب النقاش الاقتصادي. فالتكنولوجيا قد تساعد على رفع الإنتاجية وتطوير المهن، لكنها قد تعمق أيضا الفوارق القائمة إذا ظلت فوائدها محصورة في الدول والمؤسسات والفئات الأكثر استعدادا.

وبذلك، فإن السؤال الذي يواجه اقتصادات المنطقة لم يعد مقتصرا على عدد الوظائف التي قد تختفي بسبب الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى قدرتها على إعداد العاملين للتحولات المقبلة، وخلق فرص جديدة، وضمان استفادة أوسع من المكاسب التي تتيحها هذه التكنولوجيا.