الحكم الذاتي في الصحراء.. تقرير يفتح ملف المجلس الانتقالي ومستقبل المينورسو

رصد تقرير حديث صادر عن مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد تطورات في مسار التسوية السياسية لقضية الصحراء، تتمثل في انتقال النقاش من التركيز على الوضع النهائي للإقليم إلى بحث الترتيبات العملية لتسوية تفاوضية قائمة على المبادرة المغربية للحكم الذاتي، بما يشمل إمكانية إحداث مجلس انتقالي، وتوفير ضمانات دستورية ودولية، وتكييف مهام بعثة الأمم المتحدة في الصحراء.

وأوضح التقرير، الذي أعده الباحث والدبلوماسي المغربي السابق محمد لوليشكي، ونشره المركز في 15 أكتوبر 2026، أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في فاتح أكتوبر يمثل أول تقييم للمسار السياسي منذ اعتماد مجلس الأمن القرار 2797 سنة 2025، الذي أعطى دفعة جديدة للجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي تفاوضي.

وأشار إلى أن المسار الجديد شهد ثلاث جولات من المناقشات خلال الربع الأول من سنة 2026، بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، في إطار تسهيل مشترك من الولايات المتحدة والأمم المتحدة، حيث شكلت المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا للمباحثات.

وبحسب التقرير، تناولت هذه المناقشات الجوانب العملية للتسوية، مع استمرار خلافات جوهرية بشأن السيادة وتقرير المصير وشروط قبول السكان المعنيين بالحل المقترح.

وفي ما يتعلق بالمرحلة الانتقالية، أبرز التقرير أن الفقرات 8 إلى 10 و13 من تقرير الأمين العام تتناول إمكانية إحداث مجلس انتقالي واتفاق إطار لتنظيم الفترة الفاصلة بين التوصل إلى تسوية سياسية وبدء تنفيذها.

وذكر أن فكرة المجلس الانتقالي سبق أن وردت في الفقرة 32 من المبادرة المغربية للحكم الذاتي المقدمة في أبريل 2007، التي نصت على تشكيل هيئة تضم ممثلي الأطراف بعد التوصل إلى اتفاق، وتتولى المساهمة في عمليات العودة ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.

وأوضح أن المناقشات الحالية تتعلق بتحديد تركيبة المجلس واختصاصاته وضماناته وعلاقته بآليات التفاوض، مشيرا إلى احتمال ضمه ممثلين عن الحكومة المغربية والبوليساريو والسكان المعنيين، وفق ترتيبات يتعين الاتفاق عليها.

كما أشار إلى إمكانية اضطلاع الأمم المتحدة والولايات المتحدة بدور في تسهيل عمل المجلس أو مواكبته، دون أن يعني ذلك الاتفاق على عضويتهما أو منحهما صفة الضامن.

وتناول التقرير الضمانات المرتبطة باستقرار نظام الحكم الذاتي واستمراره، محددا أربعة مستويات أساسية تشمل احترام مقتضيات الاتفاق وتوزيع الاختصاصات، وإدماج وضع الحكم الذاتي في النظام الدستوري المغربي، وعدم تعديل عناصره الجوهرية بصورة أحادية، وإحداث آليات لتسوية الخلافات المتعلقة بتفسير الاتفاق أو تطبيقه.

وفي هذا الإطار، استحضر التقرير الفقرة 29 من المبادرة المغربية لسنة 2007، التي تنص على مراجعة الدستور المغربي وإدراج وضع الحكم الذاتي فيه باعتباره ضمانة لاستقراره ومكانته داخل المنظومة القانونية الوطنية.

وتطرق أيضا إلى إمكانية إقرار ضمانات دولية لمواكبة تنفيذ الاتفاق، مستحضرا تجارب اتفاقات سياسية سابقة شاركت دول أخرى في ضمان احترامها، من بينها اتفاق بلفاست لسنة 1998 واتفاق السلام الكولومبي لسنة 2012.

وبخصوص بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، أوضح التقرير أن مستقبل المينورسو يرتبط بتطور العملية السياسية، مشيرا إلى أن مناقشات مجلس الأمن خلال أبريل 2026 تضمنت التحذير من إجراء تغييرات مبكرة في هيكلة البعثة أو اختصاصاتها قبل انتهاء المفاوضات.

وأضاف أن الخيارات المطروحة في حال التوصل إلى اتفاق سياسي تشمل إسناد مهام إضافية للبعثة، تتعلق بمراقبة وقف إطلاق النار، وتسهيل عودة اللاجئين، ودعم عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.

وأشار التقرير إلى توصية الأمين العام بتمديد ولاية المينورسو سنة إضافية إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع إجراء مراجعة استراتيجية لمستقبل مهامها تبعا لتقدم المفاوضات.

وفي هذا السياق، طرح الباحث احتمال تغيير تسمية البعثة من المينورسو إلى المينوارسو، بما يعكس انتقالها المحتمل إلى مهمة مواكبة تنفيذ التسوية في الصحراء. وقدم هذا التغيير باعتباره احتمالا مرتبطا بتطور العملية السياسية، وليس قرارا أمميا معتمدا.

وتوقف التقرير عند مسألة التشاور مع سكان الصحراء، مستحضرا تأكيد الأمين العام للأمم المتحدة ضرورة إخضاع أي مقترح لعملية تشاور تتيح للسكان المعنيين التعبير بحرية عن قبولهم أو رفضهم.

وحدد ثلاث مسائل تحتاج إلى توضيح، تتعلق بتحديد الهيئة الناخبة التي ستشارك في التشاور، وطبيعة العملية وصياغة السؤال المطروح، ثم العلاقة بين نتائج التشاور وتنفيذ نظام الحكم الذاتي.

كما أشار إلى مقترح للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن تنظيم زيارات فردية وطوعية للاجئين الصحراويين إلى العيون والداخلة، بهدف الاطلاع على الأوضاع المحلية والتعرف على تفاصيل المبادرة المغربية للحكم الذاتي.

وفي محور آخر، تناول التقرير الطلب الذي تقدمت به موريتانيا خلال جولة المفاوضات المنعقدة في مدريد يومي 8 و9 فبراير 2026، والمتعلق بتشكيل لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم بصورة توافقية.

وأوضح أن الطلب الموريتاني يركز على توضيح الحدود، ولا يتضمن في صيغته المعلنة مطالبة بالسيادة على أراض معينة، مشيرا إلى أن دوافعه التفصيلية لم ترد بصورة صريحة في تقرير الأمين العام.

وفي محاولة لتفسير هذا الطلب، تناول الباحث وضع منطقة الكويرة وقربها من مدينة نواذيبو الموريتانية، إلى جانب القضايا المرتبطة بترسيم الحدود البرية والبحرية والمجالات الاقتصادية والمشاريع المينائية على الساحل الأطلسي.

وطرح التقرير احتمال ارتباط الموقف الموريتاني باعتبارات اقتصادية وأمنية، من بينها مستقبل ميناء نواذيبو في ظل المشاريع اللوجستية الجديدة، خصوصا ميناء الداخلة الأطلسي، مع التأكيد أن هذه التفسيرات تظل فرضيات تحليلية وليست دوافع معلنة رسميا من الجانب الموريتاني.

كما أشار إلى أن أي ترتيبات مستقبلية للحدود البحرية قد تستدعي مراعاة المصالح المرتبطة بالمناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري والموارد البحرية، فضلا عن التداخل المحتمل مع المطالب الإسبانية المرتبطة بجزر الكناري.

وخلص التقرير إلى أن استئناف المفاوضات الرباعية والانتقال إلى مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي يمثلان تطورا في العملية السياسية، رغم استمرار نقص الثقة بين الأطراف والخلافات المتعلقة بالسيادة وتقرير المصير وضمانات تنفيذ أي اتفاق.

واعتبر أن القرار المقبل لمجلس الأمن قد يساهم في توضيح الإطار السياسي والمؤسساتي للمفاوضات، وتعزيز المسار الذي انطلق بعد القرار 2797، مع بقاء نتائج العملية السياسية مرتبطة بالتفاهمات التي يمكن أن تتوصل إليها الأطراف المعنية.