اعتاد كثيرون عند قياس ضغط الدم التركيز على الرقمين اللذين يظهران على شاشة الجهاز، أحدهما يمثل الضغط الانقباضي والآخر الضغط الانبساطي. لكن أبحاثا طبية تشير إلى أهمية مؤشر ثالث يمكن حسابه بسهولة من خلال الفرق بين الرقمين، وقد يساعد الأطباء على فهم حالة الشرايين وتقييم بعض المخاطر المرتبطة بصحة القلب والدماغ.
ويعرف هذا المؤشر باسم «الضغط النبضي»، وهو الفرق بين ضغط الدم أثناء انقباض القلب وضغطه أثناء الاسترخاء بين النبضات. فعندما يسجل الجهاز قراءة تبلغ 120 على 80 ملم زئبق، يكون الضغط النبضي 40 ملم زئبق.
ورغم بساطة حسابه، فإن هذا الرقم يحمل معلومات عن طبيعة عمل الدورة الدموية ومرونة الشرايين، وقد يكتسب أهمية خاصة مع التقدم في العمر.
وتوضح مؤسسة مايو كلينك الطبية الأمريكية أن الضغط النبضي الطبيعي يكون غالبا في حدود 40 ملم زئبق، فيما يمكن أن يشير اتساع الفارق بين الضغط الانقباضي والانبساطي إلى ارتفاع مخاطر الإصابة ببعض أمراض القلب والأوعية الدموية.
وتشير المؤسسة إلى أن بلوغ الضغط النبضي أكثر من 60 ملم زئبق يعد أحد عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب، خصوصا لدى كبار السن، مع التأكيد على ضرورة تفسير القراءة ضمن الحالة الصحية العامة للشخص.
ما علاقة هذا المؤشر بصحة الدماغ؟
لم يعد الاهتمام بالضغط النبضي مقتصرا على صحة القلب والشرايين، بعدما كشفت دراسة علمية أجراها باحثون من جامعة كامبريدج البريطانية عن ارتباط بين ارتفاع هذا المؤشر وتغيرات دقيقة في بنية الدماغ قد تؤثر في سرعة معالجة المعلومات.
الدراسة، التي نشرت إلكترونيا في يوليوز 2025 في مجلة Hypertension العلمية، اعتمدت على بيانات 708 أشخاص تراوحت أعمارهم بين 18 و88 سنة، وشملت قياسات مرتبطة بضغط الدم، إلى جانب فحوص تصوير للدماغ واختبارات للقدرات المعرفية.
وركز الباحثون على المادة البيضاء في الدماغ، وهي شبكة من الألياف العصبية التي تساعد على نقل الإشارات بين مناطقه المختلفة، وتؤدي دورا أساسيا في سرعة التواصل بين الخلايا العصبية.
وأظهرت النتائج وجود ارتباط بين ارتفاع الضغط النبضي وتغيرات في البنية الدقيقة للمادة البيضاء، ارتبطت بدورها بانخفاض سرعة معالجة المعلومات.
وخلص الباحثون إلى أن هذه التغيرات قد تساعد في تفسير جانب من العلاقة بين صحة الأوعية الدموية والقدرات المعرفية، خاصة مع التقدم في العمر.
غير أن النتائج لا تعني أن كل شخص لديه ضغط نبضي مرتفع سيصاب بمشكلات في الذاكرة أو الخرف، كما أنها لا تثبت بصورة قاطعة أن ارتفاع المؤشر هو السبب المباشر للتغيرات الدماغية.
فالدراسة رصدية ومقطعية، أي إنها اعتمدت على قياسات وبيانات جُمعت خلال فترة محددة، ولا تسمح وحدها بإثبات علاقة سببية أو تحديد كيفية تطور الحالة لدى الأشخاص مستقبلا.
لماذا يتسع الفارق بين رقمي الضغط؟
لفهم أهمية الضغط النبضي، ينبغي التوقف عند الدور الذي تؤديه الشرايين في تنظيم تدفق الدم.
فعندما ينقبض القلب ويدفع الدم نحو الجسم، تتمدد جدران الشرايين لاستيعاب تدفقه، ثم تستعيد وضعها تدريجيا مع استرخاء عضلة القلب.
لكن هذه المرونة قد تتراجع مع التقدم في العمر، ما يؤدي إلى زيادة تصلب الشرايين واتساع الفارق بين الضغط الانقباضي والانبساطي.
وتوضح مؤسسة كليفلاند كلينك أن الضغط النبضي يميل إلى الارتفاع مع التقدم في السن، وقد يتأثر كذلك بحالات صحية مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض الكلى.
ولا يرتبط اتساع هذا الفارق بسبب واحد، إذ يمكن أن يتأثر أيضا بطبيعة النشاط البدني والحالة الصحية العامة وبعض اضطرابات القلب والأوعية الدموية.
ولهذا لا ينبغي تفسير الضغط النبضي بمعزل عن بقية المؤشرات، خصوصا أن القراءة قد تتغير بين قياس وآخر تبعا لوضعية الجسم والتنفس والنشاط البدني والظروف المحيطة بالقياس.
متى يستحق الرقم الانتباه؟
يمكن لأي شخص حساب الضغط النبضي بطرح الرقم السفلي من الرقم العلوي في قراءة ضغط الدم.
فإذا كانت القراءة 130 على 80، فإن الضغط النبضي يبلغ 50 ملم زئبق. وإذا كانت 150 على 80، فإن الفارق يرتفع إلى 70 ملم زئبق.
لكن ارتفاع هذا الرقم في قياس منفرد لا يكفي لتشخيص مرض، كما أن وجود ضغط نبضي ضمن النطاق المعتاد لا يستبعد الإصابة بارتفاع ضغط الدم أو غيره من المشكلات الصحية.
وتوصي كليفلاند كلينك بمراجعة الطبيب عند ملاحظة اتساع غير معتاد ومتكرر في الضغط النبضي، خصوصا عندما يبلغ 60 ملم زئبق أو أكثر، أو عندما يصبح الفارق ضيقا بصورة لافتة.
ويظل تقييم الطبيب ضروريا لتحديد دلالة القراءة في ضوء عمر الشخص وتاريخه المرضي والأدوية التي يستعملها وعوامل الخطر الأخرى.
كيف يمكن حماية القلب والدماغ؟
تؤكد المؤسسات الطبية أن متابعة ضغط الدم بانتظام تظل من الخطوات الأساسية للحفاظ على صحة القلب والأوعية الدموية.
ويشمل ذلك قياس الضغط بطريقة صحيحة، وتسجيل القراءات المتكررة، والالتزام بالعلاج الذي يصفه الطبيب عند الحاجة، إلى جانب ممارسة النشاط البدني المناسب وتقليل الملح في الطعام وتجنب التدخين.
كما تساعد متابعة عوامل الخطر الأخرى، مثل السكري وارتفاع الكوليسترول، في تكوين صورة أشمل عن صحة الأوعية الدموية.
ولا توجد حتى الآن أدلة كافية تؤكد أن خفض الضغط النبضي بحد ذاته، بمعزل عن تدبير ضغط الدم وعوامل الخطر الأخرى، يمنع التدهور المعرفي أو يحمي من الخرف.
وتبرز أهمية الأبحاث الحديثة في أنها توسع فهم العلاقة بين صحة الأوعية الدموية ووظائف الدماغ، وتدفع إلى الاهتمام بالمؤشرات التي قد تساعد على اكتشاف المخاطر بصورة مبكرة.
وبين الرقمين اللذين اعتاد الناس مراقبتهما عند قياس ضغط الدم، يوجد إذن فرق حسابي بسيط قد يحمل معلومات صحية إضافية. لكنه يظل مؤشرا مساعدا، لا بديلا عن قياس الضغط المعتاد أو الفحص الطبي المتكامل.
