ميزانية التعليم 2027 تقترب من 102 مليار درهم وسط تحديات الإصلاح

تكشف وثيقة مشروع برنامج عمل وميزانية وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل برسم سنة 2027 عن توجه حكومي لمواصلة توسيع العرض المدرسي وتعزيز الموارد البشرية وتعميم مؤسسات الريادة، في وقت لا تزال فيه المنظومة التعليمية تواجه تحديات مرتبطة بجودة التعلمات والهدر المدرسي والفوارق المجالية.

ووفق العرض الذي أعدته الوزارة لتقديمه أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، تبلغ الاعتمادات المقترحة لقطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي نحو 101.92 مليار درهم، موزعة بين نفقات الموظفين والمعدات والنفقات المختلفة واعتمادات أداء الاستثمار، فيما تستحوذ كتلة الأجور وحدها على نحو 81 في المائة من الميزانية.

ويعكس هذا التوزيع استمرار الوزن الكبير للنفقات الجارية في تمويل المنظومة التعليمية، مقابل حصة تقارب 6 في المائة لاعتمادات أداء الاستثمار، وهو ما يضع مسألة قياس أثر الإنفاق العمومي على جودة التعليم والنتائج المحققة داخل المؤسسات المدرسية في صلب النقاش حول أولويات الإصلاح.

وتخصص الوزارة في مشروع ميزانية 2027 نحو 82.56 مليار درهم لنفقات الموظفين، مقابل 78.02 مليار درهم سنة 2026، بزيادة تقارب 4.54 مليارات درهم. كما ترتفع اعتمادات المعدات والنفقات المختلفة من 12.77 مليار درهم إلى 13.28 مليار درهم، بينما تتراجع اعتمادات أداء الاستثمار من 6.36 مليارات درهم إلى 6.08 مليارات درهم.

ولا يعني انخفاض اعتمادات الأداء بالضرورة تراجع جميع الاستثمارات المبرمجة، بالنظر إلى اختلافها عن اعتمادات الالتزام، غير أن هذه المعطيات تبرز استمرار هيمنة النفقات المرتبطة بالموارد البشرية والتسيير على البنية المالية للقطاع.

وعلى مستوى أعداد المتمدرسين، تقدر الوزارة عدد التلاميذ خلال الموسم الدراسي 2026-2027 بنحو 9.22 ملايين تلميذة وتلميذ، منهم 7.61 ملايين في التعليم العمومي، مقابل 1.61 مليون في التعليم الخصوصي، بما يعكس استمرار الدور المركزي للمدرسة العمومية في استيعاب الغالبية الكبرى من التلاميذ.

وفي إطار مواصلة تعميم مشروع مؤسسات الريادة، تشير المعطيات الرسمية إلى اعتماد 6628 مدرسة ابتدائية، بما يمثل 80 في المائة من مؤسسات التعليم الابتدائي العمومي، إلى جانب 1362 إعدادية للريادة، تغطي نصف مؤسسات التعليم الثانوي الإعدادي العمومي.

ويستفيد من المشروع نحو 2.64 مليون تلميذ في التعليم الابتدائي، وحوالي 1.095 مليون تلميذ في التعليم الإعدادي، وفق الأرقام التي قدمتها الوزارة، التي تراهن على هذه المقاربة لمعالجة التعثرات الدراسية وتطوير الممارسات الصفية وتأهيل المؤسسات وتجهيزها، مع اعتماد تقييمات داخلية وخارجية لقياس النتائج.

ويتضمن برنامج العمل المقترح لسنة 2027 بناء 40 مؤسسة ابتدائية و25 مدرسة جماعاتية، فضلا عن إحداث 60 ثانوية إعدادية و67 ثانوية تأهيلية، إلى جانب توسيع المؤسسات القائمة بإضافة 1169 حجرة دراسية في الابتدائي، و691 حجرة في الإعدادي، و608 حجرات في التأهيلي.

وتندرج هذه المشاريع ضمن جهود توسيع العرض المدرسي وتقليص الاكتظاظ، بعدما أظهرت معطيات الوزارة تراجع نسبة الأقسام التي تضم 41 تلميذا فأكثر، مع استمرار تفاوت هذه الظاهرة بين الأسلاك التعليمية.

أما على مستوى الموارد البشرية، فتعتزم الوزارة تخصيص أكثر من 15 ألفا و590 منصبا ماليا لتوظيف أطر التدريس والأطر المختصة خلال الدخول المدرسي 2027-2028، إضافة إلى 344 منصبا مرتبطا بمباراة التبريز.

وتشمل أولويات القطاع أيضا مواصلة تنفيذ اتفاقي الحوار الاجتماعي الموقعين في دجنبر 2023، وتسوية عدد من الملفات الإدارية والمالية المرتبطة بالترقيات المهنية والتعويضات، في وقت تقر فيه الوزارة باستمرار وجود ملفات لم تستكمل معالجتها.

وتتعلق هذه الملفات، على الخصوص، بالتعويضات التكميلية لبعض الفئات التعليمية، والمنحة السنوية للعاملين بالمناطق النائية وصعبة الولوج، والنظام الأساسي للأساتذة المبرزين، وتحديد مدة التدريس الأسبوعية، وهي قضايا تظل مرتبطة بتدبير الموارد البشرية وتحسين ظروف ممارسة المهنة.

وفي ما يتعلق بالهدر المدرسي، تكشف البيانات الرسمية عن انخفاض عدد المنقطعين عن الدراسة من 334 ألفا و664 تلميذا خلال الموسم الدراسي 2021-2022 إلى 264 ألفا و889 تلميذا خلال الموسم 2024-2025، أي بتراجع نسبته 21 في المائة.

ورغم هذا التحسن، فإن استمرار مغادرة أكثر من ربع مليون تلميذ للمدرسة خلال موسم دراسي واحد يبرز حجم التحدي الذي تواجهه السياسات العمومية الرامية إلى ضمان استمرارية التمدرس، خصوصا في المجالات التي تواجه صعوبات مرتبطة بالولوج إلى المؤسسات التعليمية والخدمات الاجتماعية المرافقة.

وتسعى الوزارة إلى مواجهة هذه الظاهرة عبر توسيع العرض التعليمي وتعزيز الدعم الاجتماعي وتطوير مسارات تربط التعليم بالتكوين المهني وإعادة إدماج المنقطعين.

وفي هذا السياق، تشير معطيات الدخول المدرسي 2026-2027 إلى استفادة نحو 3.25 ملايين تلميذ من منحة الدخول المدرسي، وأكثر من 781 ألفا من النقل المدرسي، ونحو 282 ألفا من المطاعم المدرسية والداخليات، في إطار التدابير الرامية إلى التخفيف من الأعباء المرتبطة بالتمدرس.

وفي مقابل ارتفاع الاعتمادات المقترحة للتربية الوطنية، يكشف العرض الوزاري عن تراجع مشروع ميزانية قطاع التكوين المهني بنسبة 13.22 في المائة، من نحو 1.52 مليار درهم سنة 2026 إلى 1.32 مليار درهم سنة 2027، دون احتساب اعتمادات الالتزام.

وتعزو الوزارة هذا الانخفاض أساسا إلى تراجع اعتمادات المعدات والنفقات المختلفة، فيما تتضمن أولويات القطاع توسيع التكوين بالتدرج، مع استهداف 150 ألف مستفيد سنويا سنة 2027، مقابل 100 ألف سنة 2026.

كما يشمل البرنامج تطوير التكوين وإعادة التأهيل المهني وربط المسارات التكوينية بحاجيات سوق الشغل، إلى جانب مشاريع موجهة إلى الشباب غير المنخرطين في التعليم أو التكوين أو العمل، ضمن مقاربة تستهدف تحسين فرص الإدماج الاقتصادي.

وتضع هذه المعطيات منظومة التربية والتكوين أمام معادلة تتجاوز حجم الاعتمادات المالية المرصودة، لتشمل قدرة البرامج الحكومية على تحسين جودة التعلمات وتقليص الفوارق بين المؤسسات والمجالات الترابية، وضمان انتقال أكثر سلاسة من التعليم إلى التكوين ثم سوق الشغل.

فبين ارتفاع النفقات المرتبطة بالموارد البشرية، وتوسيع مؤسسات الريادة، وبرمجة مؤسسات تعليمية جديدة، تظل مؤشرات الهدر المدرسي والاكتظاظ والتحصيل الدراسي عناصر أساسية لتقييم أثر الإنفاق العمومي.

ويبرز العرض الوزاري تقدما في عدد من المؤشرات، لكنه يكشف أيضا استمرار تحديات بنيوية تستدعي تتبع النتائج الفعلية للإصلاح، وليس الاكتفاء بحجم الاعتمادات أو عدد المؤسسات المستفيدة.

وبذلك، سيكون الرهان الأساسي خلال سنة 2027 هو مدى قدرة الموارد المالية والبشرية المعبأة على إحداث تحسن ملموس في المسار الدراسي للتلميذ، من الولوج إلى المدرسة واكتساب التعلمات الأساسية إلى التأهيل والإدماج المهني.