قبل يوم واحد من انتخابات 23 شتنبر، جمعت «المحيط» قراءاتها في حظوظ أحد عشر حزبا ضمن كتاب «قبل الصندوق.. قراءة في فنجان الانتخابات التشريعية». للزميل نورالدين البيار رئيس التحرير .
لم يكن الكتاب استطلاعا للرأي، ولم يقدم أرقاما نهائية مفترضة، بل بنى سيناريوهاته على حصيلة 2021، وخريطة المرشحين، وحركة الانتقالات، وقوة التنظيمات المحلية، وكلفة المشاركة الحكومية، وقدرة المعارضة على تحويل خطابها إلى أصوات.
واليوم، تتيح النتائج المؤقتة للانتخابات وضع تلك القراءات أمام الاختبار. فقد تصدر الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، تلاه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54 مقعدا.
وجاءت الحركة الشعبية خامسة بـ29 مقعدا، ثم الاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17، فيما حصلت الحركة الديمقراطية الاجتماعية وتحالف اليسار على ثمانية مقاعد لكل منهما، وجبهة القوى الديمقراطية على مقعدين.
المقارنة لا تهدف إلى إعلان إصابة كاملة أو خطأ شامل. فالتحليل السياسي لا يقاس بقدرته على تخمين رقم نهائي فقط، بل بمدى نجاحه في تحديد اتجاه الحركة، واكتشاف نقاط القوة والضعف، وترتيب السيناريوهات قبل أن تصبح النتيجة معروفة.
البام والأحرار.. التحول الأكبر ظهر قبل الصندوق
جاءت الإصابة الأوضح في قراءة الأصالة والمعاصرة. فقد حمل تقرير «المحيط» عنوان «رهان الصدارة من داخل الحكومة»، وانطلق من أن الحزب لا يدافع فقط عن مركزه الثاني، بل يستهدف المرتبة الأولى مستندا إلى استقطاب منتخبين ومرشحين جاهزين، وقيادة جماعية تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، وحضور وزاري وترابي واسع.
النتيجة منحت البام 97 مقعدا، بزيادة عشرة مقاعد عن حصيلة 2021، ووضعت الحزب في صدارة المشهد. وبذلك تحقق السيناريو المركزي الذي بنت عليه القراءة تحليلها: منافس حكومي يريد تقديم نفسه بديلا من داخل الأغلبية نفسها.
لكن النتيجة أكدت أيضا التناقض الذي توقف عنده الكتاب. فالبام فاز من داخل حكومة سيتعين عليه الدفاع عن حصيلتها، لا من خارجها. لقد نجح في تجاوز شريكيه، لكنه لم يحصل على تفويض يسمح له بالحكم منفردا. وستقاس قيمة الصدارة بقدرته على قيادة تحالف وتقديم برنامج جديد من دون التنصل من مسؤوليته عن الولاية السابقة.
وفي الاتجاه المقابل، وضع تحليل التجمع الوطني للأحرار الحصيلة والترحال وكلفة الحكم في قلب الاختبار. لم يجزم بأن الحزب سيفقد الصدارة، لكنه اعتبر أن معركته لن تحسمها شبكته الجماعية ولا مرشحوه البارزون وحدهم، بل نظرة الناخب إلى الأسعار والتشغيل والخدمات بعد خمس سنوات من قيادة الحكومة.
حصول الأحرار على 66 مقعدا، بخسارة 36 مقعدا، يؤكد أن كلفة الحكم كانت أثقل مما سمحت به رهانات الحزب. لقد احتفظ بكتلة كبيرة وبالمركز الثاني، لكنه لم ينجح في تحويل حصيلته وشبكته الترابية إلى تجديد للصدارة.
وأثبتت النتيجة أيضا أهمية العامل الذي أبرزته «المحيط» بشأن الترحال السياسي وتغيير المرشحين. فعندما يفقد الحزب منتخبا محليا، لا يخسر اسما على اللائحة فقط، بل قد يخسر معه شبكة من المستشارين والعلاقات والوسطاء الانتخابيين. ولا يمكن، قبل نشر النتائج المفصلة للدوائر، تحديد مقدار ما خسره الأحرار بسبب الترحال، لكن التراجع الوطني يمنح هذا العامل وزنا أكبر في التقييم المقبل.
الاستقلال.. قراءة أصابت الوزن وأخطأت اتجاه الحركة
قدمت «المحيط» الاستقلال باعتباره طرفا كاملا في معركة الصدارة، حتى إن كان الضوء الإعلامي مركزا على الأحرار والبام. واستندت القراءة إلى تاريخ الحزب، وانتشاره الترابي، وشبكة فروعه ومنتخبيه، والقدرة التواصلية لنزار بركة، معتبرة أنه يمتلك شروط صناعة مفاجأة.
لكن الصناديق لم تمنح الاستقلال المفاجأة المنتظرة. فقد انتقل من 81 مقعدا سنة 2021 إلى 65 مقعدا، بخسارة 16 مقعدا. وبذلك بقي ثالثا، لكنه لم يحول انتشاره التاريخي واستقطاباته الجديدة إلى تقدم انتخابي.
هنا يجب التمييز بين جزأين في القراءة. الأول أصاب حين اعتبر الحزب رقما لا يمكن اختزال المنافسة من دونه. فالفارق بينه وبين الأحرار لم يتجاوز مقعدا واحدا، وحصيلته تجعله شريكا مركزيا في أي مفاوضات محتملة لإعادة تشكيل الأغلبية السابقة.
أما الجزء الثاني، المتعلق بإمكان التقدم وصناعة المفاجأة، فلم تؤكده النتيجة. فقد تبين أن الرصيد التاريخي والانتشار التنظيمي لا يلغيان كلفة المشاركة الحكومية، ولا يضمنان انتقال أصوات الوافدين إلى الحزب. كما أظهرت النتيجة أن قدرة القيادة على التواصل لا تعوض وحدها خسارة مقاعد داخل دوائر تحسمها موازين محلية دقيقة.
ومع ذلك، فإن تراجع الاستقلال لا يخرجه من دائرة التأثير. فتقاربه العددي مع الأحرار يمنحه موقعا تفاوضيا أقوى مما توحي به خسارته، وقد يجعل المقعد الواحد الفاصل بينهما عنصرا سياسيا مهما عند توزيع المسؤوليات داخل أي أغلبية مقبلة.
البيجيدي يصيب السيناريو الأقرب ويعيد ترتيب المعارضة
حملت قراءة العدالة والتنمية السؤال الآتي: «هل تتحول الحشود إلى مقاعد؟». وميزت بين ثلاثة سيناريوهات، اعتبرت أقربها تعافيا غير متساو يرفع الحزب بوضوح فوق حصيلته السابقة ويعيده إلى دائرة الأحزاب المؤثرة، من دون استعادة نتائج 2011 أو 2016.
هذا هو السيناريو الذي تحقق بدرجة كبيرة. فقد انتقل الحزب من 13 إلى 54 مقعدا، مضيفا 41 مقعدا، وصعد من المركز الثامن إلى الرابع. لم يحقق طموح العودة إلى المرتبة الأولى، لكنه حول الحشود التي قادها عبد الإله بنكيران إلى أكبر تقدم عددي سجله حزب في هذه الانتخابات.
وتؤكد النتيجة أن التنظيم لم ينهر بعد هزيمة 2021، وأن عودة بنكيران وموقع المعارضة وارتفاع كلفة الحكومة وفرت للحزب شروط استعادة جزء مهم من ناخبيه. كما تثبت أن تغطية جميع الدوائر، والحفاظ على خطاب وطني موحد، يمكن أن يعوضا جزئيا ضعف شبكة المنتخبين المحليين.
غير أن 54 مقعدا لا تعني عودة العدالة والتنمية إلى حجمه السابق. فقد ظل بعيدا عن 125 مقعدا التي حصل عليها سنة 2016، ولم يستعد الصدارة. لقد تجاوز مرحلة الانهيار، لكنه دخل مرحلة إعادة البناء، وسيكون مطالبا بإثبات أن تقدمه ليس مجرد تصويت عقابي ظرفي، بل استعادة مستقرة لقاعدته الانتخابية.
في المقابل، أصابت قراءة الاتحاد الاشتراكي حين حذرت من أن خمس سنوات في المعارضة لا تتحول تلقائيا إلى مكاسب. كان الحزب يراهن على الحفاظ على المركز الرابع وتحسين حصيلته، مع احتمال مفاجئ لدخول الثلاثة الأوائل، لكن النتيجة جاءت في الاتجاه المعاكس: 26 مقعدا بدل 34، والتراجع إلى المركز السادس.
وقد تحققت المخاطرة التي حددها التقرير في الدوائر المرتبطة بقوة المرشح وشبكته أكثر من وجود موجة وطنية لفائدة الحزب. كما ظهر أن الغضب من الأغلبية لم يتجه إلى الاتحاد الاشتراكي، بل استفاد منه العدالة والتنمية بصورة أكبر.
أما التقدم والاشتراكية، فقد وضعت قراءته حدا فاصلا واضحا: الحفاظ على نتيجة قريبة من 22 مقعدا يعني تثبيت مكسب 2021، والاقتراب من 30 يمثل تقدما، بينما يشير النزول دون عشرين إلى العجز عن تحويل المعارضة إلى مكاسب.
حصل الحزب على 19 مقعدا، أي إن النتيجة جاءت عند السيناريو السلبي الذي حددته القراءة. لم يتحقق رهان الخمسين، ولم تمنح التغطية الكاملة للدوائر الحزب موجة توسع وطنية. وتبين أن وضوح الخطاب والبرنامج لا يكفي عندما تكون خريطة الفوز المباشر مركزة في عدد محدود من الدوائر.
الأحزاب المتوسطة والصغيرة.. السيناريوهات الأقرب تحققت
في حالة الحركة الشعبية، رجحت القراءة الحفاظ على الحصيلة مع تعويض بعض الخسائر بمقاعد جديدة، وهو ما يقترب من النتيجة المحققة. وبذلك فإن وصوله إلى 29 مقعدا سنة 2026 يعني تقدمه بمقعد واحد، لا مجرد الحفاظ على العدد السابق.
وتؤكد النتيجة قدرة الحركة على تعويض أثر مغادرة أسماء بارزة، من بينها إدريس السنتيسي ومصطفى لخصم والسعيد أمسكان. لكنها تظهر أيضا حدود الرهان على اختراق واسع، إذ بقي الحزب في المركز الخامس ولم تتحول استقطاباته إلى قفزة كبيرة.
أما الاتحاد الدستوري، فقد وضعت قراءته ثلاثة سيناريوهات: التحسن، أو البقاء قريبا من 18 مقعدا، أو التراجع بسبب الترحال وعدم تغطية جميع الدوائر. حصوله على 17 مقعدا يضعه داخل سيناريو الحفاظ على الحجم البرلماني، مع خسارة محدودة لم تغير كثيرا موقعه العددي.
وسجلت الحركة الديمقراطية الاجتماعية واحدة من أكثر المقارنات وضوحا. فقد رجح تقرير «المحيط» حصولها على ما بين ثمانية و15 مقعدا، معتبرا أن بلوغ عشرين مقعدا وتشكيل فريق نيابي مستقل يظل السيناريو الأصعب. وانتهت النتيجة عند الحد الأدنى من السيناريو الأقرب: ثمانية مقاعد بدل خمسة.
نجح الحزب في تحسين موقعه، واستفاد من انضمام مصطفى لخصم والحضور الذي وفره خلال الحملة، لكنه لم يحول شعبيته إلى موجة وطنية تكفي لتشكيل فريق نيابي. وهكذا أثبت لخصم أنه مضاعف لقوة الحزب، كما قالت القراءة، لكنه لم يكن بديلا عن التنظيم.
وفي جبهة القوى الديمقراطية، رجحت «المحيط» معركة دفاعية تتراوح بين مقعد وثلاثة مقاعد بعد خسارة شبكة حميد شباط وريم شباط في فاس. وحصول الجبهة على مقعدين وضعها في قلب النطاق المتوقع. فقد تجنبت الخروج من البرلمان، لكنها لم تحافظ على مقاعدها الثلاثة ولم تنجح في صناعة اختراق خارج قواعدها المحدودة.
أما تحالف اليسار، فقد جاءت نتيجته أقوى من السيناريو الأقرب في الكتاب. فقد اعتبرت القراءة أن الحفاظ على مقعدين أو إضافة مقعد ثالث هو الاحتمال الأكثر انسجاما مع موازين القوة، وأن المفاجأة تبدأ من أربعة مقاعد. وحصول التحالف على ثمانية مقاعد يعني أن المفاجأة تحققت بوضوح.
لقد نجحت الوحدة في إنتاج حصيلة أكبر من مجموع تمثيلية مكونيها سنة 2021، حين حصلا منفصلين على مقعدين. وهذه من النقاط التي لم يقدرها الكتاب بالحجم الكافي، رغم أنه وضع احتمال المفاجأة وحدد شروطها: توحيد الأصوات، والفوز المحلي، والاستفادة من تشتت المنافسين في المدن.
ماذا قالت الصناديق عن منهج «قبل الصندوق»؟
أصابت قراءات «المحيط» التحول السياسي الأكبر عندما وضعت البام في سباق فعلي على الصدارة، والتقطت هشاشة موقع الأحرار تحت كلفة الحكم، ورجحت تعافيا قويا ولكن غير مكتمل للعدالة والتنمية.
كما اقتربت من نتائج الحركة الديمقراطية الاجتماعية وجبهة القوى الديمقراطية والاتحاد الدستوري، وحذرت بصورة صحيحة من صعوبة تحويل المعارضة إلى مقاعد بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.
في المقابل، بالغت القراءة في تقدير قدرة الاستقلال على صناعة المفاجأة، ولم تمنح احتمال تقدم تحالف اليسار إلى ثمانية مقاعد الوزن الذي استحقه لاحقا. كما لم تجعل تراجع المشاركة إلى 38.08 في المائة عاملا مركزيا بالقدر الكافي، رغم أثره المحتمل في قدرة الأحزاب على تعبئة قواعدها وفي تفاوت النتائج بينها.
وتظل الخلاصة الأهم أن انتخابات 23 شتنبر لم تنتج انقلابا كاملا على خريطة 2021، بل أعادت ترتيب مكوناتها. بقيت أحزاب الأغلبية السابقة في المراكز الثلاثة الأولى، لكنها خسرت مجتمعة 42 مقعدا وانتقلت قيادتها من الأحرار إلى البام. وفي المعارضة، لم يصعد الجميع، بل تركز المكسب الأكبر لدى العدالة والتنمية، مع مفاجأة يسارية محدودة وتراجع الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.
بهذا المعنى، لم يكن «قبل الصندوق» كتاب تنبؤ بالأرقام، بل خريطة للأسئلة التي ستصنع النتيجة. وقد أثبتت المقارنة أن أفضل قراءاته كانت تلك التي ركزت على كلفة الحكم، وقوة المرشح المحلي، وحدود انتقال الأصوات مع الترحال، والفارق بين الحضور الإعلامي والقدرة التنظيمية.
أما الصندوق، فقد أضاف الدرس الأخير: الاتجاه السياسي يمكن التقاطه قبل الاقتراع، لكن حجم التحول لا يظهر كاملا إلا عندما تتحول الشبكات والاحتجاجات والحشود والصمت الانتخابي إلى أرقام.


