لم تعد منطقة الشرق الأوسط تعيش توترا قابلا للحصر في جبهة واحدة. فالهجمات التي أعلن الحوثيون تنفيذها السبت ضد منشآت نفطية ومطارات ومواقع عسكرية في السعودية، بالتوازي مع التهديدات الإيرانية والضغط المتواصل على الملاحة في مضيق هرمز، تؤكد أن الصراع ينتقل إلى مرحلة تستهدف الاقتصاد والبنية التحتية المدنية بقدر ما تستهدف الخصوم عسكريا.
وقال الحوثيون إنهم استهدفوا منشآت مرتبطة بالطاقة في ينبع ورابغ، إضافة إلى مطارات ومواقع عسكرية سعودية. وأعلن التحالف الذي تقوده السعودية اعتراض صاروخين باليستيين كانا في اتجاه ينبع والطائف، فيما أكدت السلطات السعودية انتهاء الإنذارات الأمنية بعد سقوط حطام صواريخ أو مسيرات في عدد من المناطق. غير أن الرياض لم تؤكد وقوع إصابات مباشرة في المنشآت التي أعلن الحوثيون استهدافها.
الأهمية لا تكمن في حجم الأضرار المعلنة فقط، بل في الرسالة التي يحملها الهجوم: المنشآت النفطية والمطارات وشبكات النقل باتت في قلب معركة الضغط السياسي. فالسعودية، التي تسعى إلى تثبيت موقعها كمركز للاستثمار والسياحة والطيران والخدمات، تجد نفسها أمام كلفة أمنية واقتصادية متصاعدة، حتى حين تنجح دفاعاتها في اعتراض جزء من الهجمات.
ويتزامن ذلك مع ارتفاع منسوب القلق الأميركي. فقد كشفت رويترز عن مذكرة استخباراتية أميركية حذرت من زيادة الجهود الإيرانية لاستهداف أفراد ومصالح أميركية، وقالت إن بعض المخططات بلغ مراحل متقدمة. وأعقب ذلك قرار واشنطن تقليص حضور موظفيها غير الأساسيين وعائلاتهم في السعودية، في إشارة إلى أن خطر التصعيد لم يعد نظريا في تقدير المؤسسات الأميركية.
في البحر، يظل مضيق هرمز بؤرة الخطر الأكبر. فالمنظمة البحرية الدولية وثقت 120 حادثا مؤكدا في الشرق الأوسط وهرمز حتى 22 أكتوبر، مع مقتل 24 بحارا وتأثر نحو 20 ألف بحار وعامل موانئ وطاقم بحري بالأزمة. والأرقام هنا لا تتحدث عن احتمال إغلاق مضيق أو اضطراب شحن في المستقبل، بل عن واقع يومي يرفع كلفة التأمين والنقل ويزيد هشاشة تدفقات الطاقة.
وكانت إيران قد لوحت، وفق ما نقلته رويترز عن مسؤولين أمنيين إيرانيين، باحتمال استهداف كابلات الاتصالات البحرية في الخليج إذا عادت الضربات الأميركية والإسرائيلية واسعة النطاق. وهذه التهديدات لا تعني فقط تعطيل سفن أو منشآت طاقة، بل تفتح جبهة جديدة تشمل الاتصالات والمعاملات المالية ومراكز البيانات والخدمات الرقمية التي تعتمد عليها اقتصادات الخليج.
في اليمن، تتسع الكلفة الإنسانية بالتوازي مع التصعيد العسكري. مدينة تعز، ثالث أكبر مدن البلاد، تواجه أزمة حادة في المياه بعد تقلص الوصول إلى الآبار وتعطل إمدادات الوقود، بينما ارتفعت أسعار الغذاء وتزايدت أعداد النازحين. وهكذا تتحول الحرب إلى حلقة مغلقة: هجمات على السعودية، وردود عسكرية، ومدينة يمنية محاصرة تدفع ثمن صراع لا تملك أدوات التأثير فيه.
وعلى الجبهة الفلسطينية، فرضت إسرائيل إغلاقات واسعة في الخليل عقب مقتل جنديين إسرائيليين في هجوم نفذه مسلحان فلسطينيان قرب المدينة.
ويأتي ذلك قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية، في مناخ يسمح للأمن بأن يتحول إلى ورقة انتخابية ويدفع نحو إجراءات أشد في الضفة الغربية، مع ما قد يحمله ذلك من اتساع دائرة العنف.
أما غزة، فتظل المثال الأكثر قسوة على انفصال الخطاب السياسي عن واقع المدنيين. فبرنامج الأغذية العالمي خفض مساعداته من 1.6 مليون شخص إلى 1.1 مليون بسبب نقص التمويل، ما يترك نصف مليون شخص خارج مستوى الدعم السابق في وقت يقترب فيه الشتاء.
وبين الغارات المتواصلة والقيود على الإغاثة وضعف التمويل، لا تزال الهدنة الهشة بعيدة عن التحول إلى استقرار أو إعمار فعلي.
التحول الأساسي في هذه المرحلة هو أن الحرب لم تعد تدور فقط حول السيطرة على الأرض أو الردع العسكري. إنها حرب على الممرات البحرية والمطارات والطاقة والكابلات والخدمات الأساسية. وكل طرف يحاول رفع كلفة المواجهة على الآخر من دون الذهاب بالضرورة إلى إعلان حرب شاملة.
بالنسبة للمغرب، لا يتعلق الأمر بتهديد أمني مباشر، لكن المخاطر الاقتصادية حاضرة: ارتفاع أسعار الطاقة، كلفة الشحن والتأمين، واضطراب سلاسل التوريد. وكلما طال التوتر في هرمز والبحر الأحمر، أصبحت المسافة بين ساحات القتال وأسواق شمال إفريقيا أقصر مما تبدو عليه في الجغرافيا.
الشرق الأوسط لا يقف اليوم أمام حرب واحدة، بل أمام تداخل نزاعات تملك القدرة على تغذية بعضها. وهذا ما يجعل المرحلة أكثر خطورة
فحادث بحري في هرمز، أو ضربة على منشأة سعودية، أو تصعيد في الضفة، يمكن أن يتحول بسرعة إلى حلقة جديدة في أزمة إقليمية لا تزال بلا مخرج سياسي واضح.
