يستعد المغرب وفرنسا للدخول في مرحلة جديدة من علاقاتهما الثنائية، بعد إعلان مسؤولي البلدين العمل على إعداد معاهدة استراتيجية تهدف إلى تعزيز الشراكة بين الرباط وباريس، في خطوة تعكس التحول الكبير الذي شهدته العلاقات المغربية الفرنسية خلال العامين الأخيرين.
الإعلان، وفق ما نقلته وكالة رويترز، جاء عقب مباحثات جمعت وزير الخارجية ناصر بوريطة بنظيره الفرنسي جون نويل بارو ، حيث أكد الطرفان أن المعاهدة المرتقبة ستكون الأولى من نوعها التي يوقعها المغرب مع دولة أوروبية، في مؤشر على رغبة البلدين في نقل العلاقة الثنائية من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية طويلة المدى.
ورغم أن الجانبين لم يكشفا تفاصيل الاتفاق المرتقب، فإن توقيته يحمل دلالات سياسية واقتصادية واضحة، خصوصا بعد التحول الذي عرفه الموقف الفرنسي من قضية الصحراء المغربية منذ اعتراف باريس بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية سنة 2024.
هذا التحول أنهى سنوات من البرود والغموض في العلاقات بين البلدين، وفتح الباب أمام إعادة بناء الثقة السياسية، بعدما ظلت الرباط تنتظر موقفا فرنسيا أكثر وضوحا تجاه أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمغرب.
وزير الخارجية المغربي أكد أن الشراكة المغربية الفرنسية تعيش “أفضل مراحلها على جميع المستويات”، مشيرا إلى تنامي التعاون في مجالات الصناعة الدفاعية والأمن والطيران والاستثمار، وهي قطاعات تعكس طبيعة التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة.
في المقابل، تبدو باريس حريصة على تثبيت موقع المغرب كشريك محوري داخل استراتيجيتها الجديدة تجاه إفريقيا والفضاء المتوسطي، خاصة في ظل تراجع النفوذ الفرنسي في أجزاء من الساحل وغرب إفريقيا خلال السنوات الأخيرة.
ولا يتعلق الأمر فقط بتقارب دبلوماسي، بل بإعادة تموقع استراتيجي متبادل. فالمغرب يسعى إلى توسيع شبكة شراكاته الدولية وجذب استثمارات وتكنولوجيات جديدة مرتبطة بالصناعة والطاقة والبنية التحتية، بينما تبحث فرنسا عن حليف مستقر ووازن داخل منطقة تعرف تحولات جيوسياسية متسارعة.
كما يعكس الحديث عن “معاهدة استثنائية” إدراكا متزايدا لدى الطرفين بأن العلاقات التقليدية القائمة على الروابط التاريخية والاقتصادية لم تعد كافية وحدها، في عالم يتجه نحو بناء تحالفات أكثر عمقا ترتبط بالأمن والطاقة والصناعة والسيادة التكنولوجية.
ويأتي هذا التقارب أيضا في سياق استعداد المغرب لمرحلة اقتصادية جديدة مرتبطة بالاستثمارات الكبرى والبنيات التحتية ومشاريع كأس العالم 2030، وهي ملفات تبدو فرنسا حريصة على تعزيز حضورها داخلها.
وفي حال تم توقيع المعاهدة المرتقبة، فإنها قد تشكل بداية مرحلة جديدة في العلاقات المغربية الفرنسية، ليس فقط على المستوى الثنائي، بل أيضا داخل التوازنات الإقليمية الأوسع في المتوسط وإفريقيا.


