اختارت دمشق في تحول يحمل أكثر من رسالة سياسية داخل المحيط الإقليمي العربي، أن تعلن من الرباط دعما واضحا للوحدة الترابية للمغرب ولسيادته على كامل أراضيه، في خطوة تعكس إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية السورية بعد سنوات من العزلة وإعادة التموضع داخل الفضاء العربي.
زيارة وزير الخارجية السوري إلى المغرب لم تكن مجرد محطة بروتوكولية مرتبطة باستئناف العلاقات الثنائية، بل بدت أقرب إلى إعلان سياسي عن مرحلة جديدة تحاول فيها سوريا إعادة بناء شبكة توازناتها الإقليمية وفق منطق أكثر براغماتية وواقعية.
واختيار الرباط تحديدا يمنح هذا التحول دلالات إضافية، بالنظر إلى المكانة التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة داخل الملفات العربية والإفريقية والدولية.
الموقف السوري الجديد تجاه قضية الصحراء المغربية يعكس أيضا التحول الذي تعرفه المقاربة العربية لهذا النزاع، حيث باتت عدة عواصم عربية تميل إلى دعم الطرح المغربي باعتباره الإطار الأكثر واقعية لإنهاء الملف، خاصة مع الزخم الدبلوماسي الذي راكمته الرباط حول مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.في المقابل، يحمل هذا التطور بعدا رمزيا بالنسبة لدمشق نفسها.
فسوريا التي عاشت سنوات طويلة من الانقسام والعزلة تبدو اليوم أكثر ميلا إلى خطاب يرتكز على وحدة الدول ورفض مشاريع التفكيك والانفصال، وهي الرسالة التي التقت فيها مع الرؤية المغربية القائمة على اعتبار السيادة والوحدة الترابية ثابتا غير قابل للتفاوض.
إشادة وزير الخارجية السوري بالمواقف المغربية تجاه الشعب السوري تكشف بدورها محاولة لبناء أرضية سياسية جديدة بين البلدين، تقوم على تجاوز إرث الاصطفافات السابقة والانفتاح على شراكات أكثر هدوءا داخل العالم العربي، في مرحلة تعرف إعادة تشكيل للتحالفات وموازين النفوذ.
ومن الرباط، تبدو دمشق وكأنها ترسل إشارة إلى المنطقة بأن سوريا ما بعد الحرب تبحث عن العودة عبر بوابة الواقعية السياسية، بينما يواصل المغرب تثبيت موقعه كفاعل إقليمي استطاع تحويل قضية الصحراء من ملف نزاع إقليمي إلى عنوان لإعادة رسم التوازنات الدبلوماسية داخل العالم العربي وخارجه.


