لم تنته أزمة سبتة بانخفاض موجة العبور وعودة عدد كبير من الوافدين إلى المغرب.
ما بقي بعد الصدمة الأولى أكثر تعقيدا: قاصرون غير مصحوبين يضغطون على مراكز الاستقبال داخل المدينة المحتلة، وسرديات دولية تتشكل حول التضليل الرقمي، والهجرة، وحدود أوروبا الجنوبية.
وبحسب وكالة رويترز، طلبت سلطات سبتة من الحكومة الإسبانية نقل نحو 1.100 قاصر غير مصحوبين إلى البر الإسباني، بعد أن تجاوزت مراكز الاستقبال قدرتها على الاستيعاب عقب موجة العبور الأخيرة.
وفي السياق نفسه، تناولت صحيفة الغارديان البريطانية، الأزمة من زاوية دور الشائعات والمعلومات المضللة على شبكات التواصل في دفع الشباب نحو العبور، ومن زاوية توظيف اليمين الأوروبي لصور الأزمة في خطاب أكثر تشددا حول الهجرة والحدود.
بهذا المعنى، لم تعد سبتة مجرد خبر حدودي عابر. فقد تحولت المدينة إلى نقطة تتقاطع فيها ثلاثة مستويات: التدبير الإنساني للقاصرين، والضغط السياسي داخل إسبانيا، والمعركة الأوسع حول الرواية في الإعلام الأوروبي.
والقاصرون هم الحلقة الأكثر حساسية في الأزمة. فوجودهم داخل سبتة لا يمكن التعامل معه بمنطق الأرقام فقط، ولا بإجراءات الإرجاع السريعة نفسها التي تطبق عادة على الراشدين. إنهم ملف قانوني وإنساني وسياسي في الوقت نفسه.
وتجد سلطات سبتة نفسها أمام وضع ضاغط. فمراكز الاستقبال لم تعد قادرة على استيعاب العدد الموجود، والمدينة تطلب من مدريد نقل جزء من القاصرين إلى البر الإسباني، بينما يدخل الملف في حسابات السياسة الداخلية بين الحكومة المركزية والجهات الإسبانية.
هنا تنتقل الأزمة من الحدود إلى الإدارة. من لحظة العبور إلى سؤال من يتحمل المسؤولية. ومن صورة الحشود على المعابر والشواطئ إلى ملفات القاصرين، والإيواء، والتوزيع، والتمويل، والآجال القانونية.
ووفق المادة 35 من قانون الأجانب الإسباني فإن المهاجر القاصر غير المصحوب يعامل أولا باعتباره طفلا في وضعية هشاشة، وليس مهاجرا غير نظامي.
يوضع تحت حماية مصالح الطفولة التابعة للإقليم، مع إبلاغ النيابة العامة والتحقق من سنه وهويته، ويستفيد من الإيواء والرعاية الصحية والتعليم والتمثيل القانوني.
ولا تجوز إعادته تلقائيا أو جماعيا، بل بعد دراسة فردية تضع مصلحته الفضلى في المقام الأول، والتأكد من تسليمه إلى أسرته أو إلى مؤسسة حماية مناسبة في بلد الأصل. وإذا تعذرت الإعادة، تتم تسوية وضعيته ومنحه تصريح إقامة، مع إمكانية العمل ابتداء من سن 16 عاما وفق الضوابط القانونية.
غير أن تطبيق هذه الآليات لا يبدو تقنيا فقط، بل محاطا بحسابات سياسية، خاصة في ظل رفض اليمين المتطرف توسيع استقبال المهاجرين، وحرص أحزاب المعارضة على عدم منح الحكومة المركزية هامشا سهلا لتدبير الأزمة.
لكن خلال فترة الانتظار الطويلة التي قد تمتد إلى تسعة أشهر، يقع القاصرون غير المصحوبين في فخ إجرائي حقيقي.
فبعد تقييمهم عند الوصول في مراكز استقبال مخصصة، لا يحق لهم الحصول على تصريح بالإقامة إلا بعد أن يتقدم رئيس المركز المقيمون فيه بطلب رسمي إلى مكتب الهجرة نيابةً عنهم.
غير أن المفارقة الأكثر إيلاما في هذا المسار تكمن في أن بعض هؤلاء القاصرين يبلغون سن الرشد في خضم انتظارهم، فيتحول وضعهم القانوني تلقائيا ويصبحون غير مؤهلين للاستفادة من المسار المخصص للقاصرين، لتُرفض طلباتهم بعد أشهر من الانتظار.
غير أن القاصرين ليسوا وحدهم ما يجعل الأزمة مستمرة. فالصور التي خرجت من سبتة بدأت تعيش حياة أخرى داخل الإعلام الدولي.
لم تعد مجرد توثيق للحظة اندفاع جماعي، بل تحولت إلى مادة قابلة للتأويل السياسي، وإلى أداة في نقاش أوروبي أوسع حول الهجرة والحدود.
وتذهب الصحافة البريطانية إلى أن الشائعات الرقمية لعبت دورا مركزيا في إشعال الموجة.
اقرأ أيضا :
فقد انتشرت رسائل بين الشباب توحي بأن الحدود مفتوحة، أو بأن الوصول إلى سبتة قد يغير الوضع القانوني للعابرين، وهو ما جعل المعلومة غير الدقيقة تتحول إلى محفز جماعي بالغ الخطورة.
هذا هو الوجه الجديد للهجرة غير النظامية. لم تعد تتحرك فقط عبر شبكات التهريب أو النداء الاقتصادي الصامت، بل عبر فيديوهات قصيرة، ورسائل واتساب، ومقاطع تيك توك، وإشاعات تنتقل بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على التصحيح.
في هذا الفضاء، تصبح الحدود رقمية قبل أن تكون جغرافية. يبدأ الاندفاع من شاشة هاتف، قبل أن ينتهي عند سياج أو شاطئ أو مركز استقبال.
وتكمن خطورة هذه الدينامية في أن الشائعة لا تحتاج إلى أن تكون صحيحة كي تنتج أثرا. يكفي أن تبدو قابلة للتصديق بالنسبة لشباب يعيش هشاشة الأفق، أو يشعر بأن فرصة واحدة قد تغير مصيره.
لكن بعد الشائعة تأتي السردية. فبمجرد انتشار الصور، تدخل أطراف أخرى على الخط. أحزاب يمينية، صحف دولية، مؤثرون، ومسؤولون يستعملون المشاهد نفسها لتأكيد أفكار مسبقة حول الهجرة، والحدود، والخطر القادم من الجنوب.
وهنا تتسع الأزمة. ما يبدأ كفعل يائس من شباب يبحث عن عبور، يمكن أن يتحول في الإعلام الأوروبي إلى برهان على تهديد الحدود. وما يبدأ كأزمة اجتماعية وإنسانية مركبة، يمكن أن يعاد تأطيره بوصفه أزمة أمنية فقط.
بالنسبة للمغرب، يطرح هذا التحول سؤالا دقيقا. كيف يمكن حماية الرواية الوطنية دون إنكار البعد الاجتماعي لما حدث؟
وكيف يمكن رفض الاختزال الأوروبي لدور المغرب في وظيفة حارس الحدود، دون تجاهل خطورة الاندفاع الجماعي وما يحمله من مخاطر على أرواح الشباب والقاصرين؟
فالسكوت في مثل هذه اللحظات لا يترك فراغا محايدا. يملؤه الآخرون بسرعة.
تملؤه الرواية الإسبانية، والقراءة الأوروبية، وصور القنوات الدولية، وتعليقات اليمين، ثم منصات التواصل التي لا تنتظر بلاغا رسميا كي تصنع سرديتها الخاصة انطلاقا من قناعات كل صحيفة او بروفيل او صفحة أو مؤثر.
وتكشف أزمة سبتة أن تدبير الحدود لم يعد منفصلا عن تدبير المعنى.
فالدولة لا تحتاج فقط إلى يقظة أمنية، بل إلى يقظة تواصلية، وإلى قدرة على شرح ما حدث، وتفكيك الإشاعات، وحماية الشباب من شبكات التحريض الرقمي، وتقديم معطيات دقيقة قبل أن تتحول الأرقام المتضاربة إلى مادة للسرديات الخارجية.
كما أن الأزمة لا يمكن اختزالها في سوء فهم قانوني أو في دعوة رقمية. خلف موجة العبور توجد أسئلة أعمق تتعلق بالشباب، والثقة، والمستقبل، والقدرة على بناء أفق داخل الوطن. وهذه الأسئلة لا تحلها الحدود وحدها، حتى لو كانت الحدود ضرورية لحماية الأرواح والنظام العام.
اقرأ أيضا :
من جانب آخر، تجد إسبانيا نفسها أمام اختبار سياسي داخلي. فملف القاصرين يضع مدريد أمام مسؤولية مباشرة، لكنه يمنح اليمين أيضا فرصة لتصعيد خطابه حول الهجرة.
وكلما طال تدبير الملف، زادت احتمالات تحوله إلى مادة انتخابية، لا إلى نقاش هادئ حول القانون والإنسانية والمسؤولية المشتركة.
أما أوروبا، فتقرأ ما حدث بعين مزدوجة. عين أمنية ترى في سبتة جزءا من حدودها الخارجية، وعين سياسية تخشى أن تتحول كل أزمة حدودية إلى وقود جديد لليمين الشعبوي.
لذلك لم يعد ما جرى في سبتة شأنا مغربيا إسبانيا فقط، بل صار اختبارا لطريقة تفكير الاتحاد الأوروبي في الجنوب، والهجرة، والشراكة مع المغرب.
وفي قلب هذه المعادلة، يظل الشباب هو الحلقة التي لا ينبغي أن تضيع وسط ضجيج الأرقام والسرديات.
فالمأساة لا تكمن فقط في عدد من عبروا، بل في أن فكرة الرحيل أصبحت لدى جزء من هذا الجيل أقرب إلى وعد بالخلاص، حتى ولو مر عبر البحر والخطر والمجهول.
اقرأ أيضا :
جدير بالذكر أن مدينة سبتة عرفت يومي 30 و31 يوليوز ضغطا كبيرا من الجانب المغربي، عبر البحر والمناطق المحاذية للمدينة، في واحدة من أكبر موجات العبور التي سجلت خلال السنوات الأخيرة.
وخلال تلك الساعات، تحدثت الصحافة الإسبانية والدولية عن أرقام متضاربة بشأن حجم الوافدين، بين تقديرات بالآلاف وأخرى بعشرات الآلاف، بينما دفعت السلطات الإسبانية بتعزيزات أمنية إلى المدينة، في محاولة لاحتواء الموجة وتدبير آثارها المباشرة.
في المقابل أوضح الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية أن المعطيات المتوفرة لدى السلطات تشير إلى أن ما جرى بمحيط سبتة ومليلية لم يكن حدثا عفويا، وإنما نتاج تفاعل عدة عوامل، من بينها حملات التضليل عبر المنصات الرقمية، واستغلال شبكات الاتجار بالبشر، وسوء تأويل بعض المعطيات القانونية والإدارية، وهو ما غذى الاعتقاد بإمكانية العبور إلى أوروبا دون عواقب قانونية.
إقرأ أيضا: في أول رواية رسمية.. الداخلية تكشف بالأرقام تفاصيل ما جرى في سبتة (فيديو)
وأضاف في ندوة عقدت الاحد 2 غشت بالرباط، أن الحصيلة المؤقتة لهذه الأحداث بلغت 11 وفاة وأن العدد الفعلي للأشخاص الذين توجهوا نحو سبتة بلغ حوالي 40 ألف شخص، مقابل نحو 1135 شخصا في اتجاه مليلية، مؤكدا أن جميع من تمكنوا من الوصول إلى مليلية تمت إعادتهم في حينه.
وأضاف أن هذه الأرقام تستند إلى منظومات تقنية للمراقبة والتتبع، وتشكل المرجع المعتمد، خلافا لبعض الأرقام المتداولة التي لا تستند إلى معطيات موثوقة.
وبين الرواية المغربية التي تركز على شبكات الهجرة والتحريض الرقمي، والرواية الإسبانية التي تركز على الضغط الحدودي والقاصرين، والرواية الدولية التي تتحدث عن التضليل والهجرة والسياسة الأوروبية، يتضح أن أزمة سبتة لم تكن حدثا حدوديا فقط، بل لحظة كاشفة عن هشاشة العلاقة بين الشباب، والمنصات، والحدود، والسرديات.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أكثر من تدبير أمني ظرفي.
بل تحتاج إلى تواصل عمومي سريع وواضح، وإلى تفكيك منظم للشائعات، وإلى تعاون مغربي إسباني يحمي الشباب حتى لا يتحولوا إلى ورقة ضغط، كما تحتاج إلى سياسة داخلية تعالج الأسباب التي تجعل إشاعة رقمية قادرة على تحريك آلاف الأجساد نحو الحدود.


