ورقة تحليلية: أزمة سبتة تكشف فجوة عميقة بين النمو ومستقبل الشباب

لم يكن اندفاع آلاف الشباب نحو سبتة مجرد انفلات حدودي صنعته شائعة رقمية عابرة، بل لحظة كاشفة لما تراكم تحت مؤشرات النمو من بطالة وتعثر في مسارات الترقي وتراجع في الثقة بإمكان بناء المستقبل داخل البلاد.

هذه هي الخلاصة المركزية لورقة تحليلية توصل موقع «المحيط» بنسخة منها، أصدرها المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة تحت عنوان «أزمة سبتة والشباب المغربي: قراءة في قيمة الإنسان وفجوة التنمية ومسؤولية الفعل العمومي».

وتعتبر الورقة أن ما جرى لم يكن استفتاء على وطنية الشباب، بقدر ما شكل «اختبار ضغط» للنموذج التنموي وسوق الشغل، ولقدرة المؤسسات على الاستماع والتواصل وتحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل وكرامة مهنية وإمكان حقيقي للتقدم داخل المغرب.

الشائعة كانت الشرارة

ترفض الورقة اختزال أحداث سبتة في مؤامرة مفترضة أو انفلات أمني عابر، كما تحذر من تحويلها إلى حكم أخلاقي على الشباب المشاركين فيها.

وترى أن الموجة نتجت عن التقاء هشاشة اقتصادية واجتماعية متراكمة مع شائعة رقمية خفضت عتبة القرار، وفراغ في الوساطة، وفجوة بين الاستباق الأمني والتواصل العمومي الموجه إلى المواطنين.

وانتشرت قبيل الأحداث رسائل توحي بإمكان دخول سبتة والانتقال سريعا إلى إسبانيا، مستندة إلى تأويلات خاطئة لقرارات قضائية وإدارية إسبانية.

غير أن التضليل الرقمي، بحسب الورقة، لا يقدم وحده تفسيرا كافيا لتحول الشائعة إلى حركة جماعية واسعة. فهو لم يخلق الإحباط، وإنما التقط مشاعر موجودة سلفا، وقدم مخرجا سريعا من واقع يرى فيه جزء من الشباب أن الدراسة لا تضمن العمل، وأن الوظيفة لا تقود دائما إلى الاستقلال، وأن بذل الجهد لا يفضي بالضرورة إلى الترقي.

اقتصاد ينمو وشباب ينتظر

تضع الورقة أحداث سبتة داخل مفارقة أوسع يعيشها المغرب: اقتصاد يسجل نموا قويا واستثمارات متزايدة، لكن أثر ذلك لا يصل بالسرعة نفسها إلى سوق الشغل والحياة اليومية للأسر.

وبحسب الأرقام التي أوردها المركز، سجل الاقتصاد المغربي نموا حقيقيا بلغ 4.9 في المئة سنة 2025، بالتزامن مع تراجع التضخم إلى 0.8 في المئة.

كما نما الاستثمار الثابت بنسبة 14.4 في المئة، بينما لم يزد الاستهلاك الخاص سوى 1.2 في المئة، ما يعني أن دينامية الاستثمار كانت أسرع من التحسن الذي شعرت به الأسر.

وتشير الورقة إلى إحداث 193 ألف منصب شغل صاف خلال السنة نفسها. ورغم أهمية هذا الرقم، فإنه ظل دون حجم الضغط المتراكم على سوق العمل، خصوصا في صفوف الشباب والنساء وحاملي الشهادات.

وتخلص إلى أن نجاح الاقتصاد الكلي حقيقي، لكن ترجمته الاجتماعية ما تزال غير مكتملة، لأن النمو لا يتحول تلقائيا إلى شعور بالاستقرار إذا لم ينتج عملا لائقا ومسارات واضحة للترقي والاستقلال.

البطالة لا تكشف الصورة كاملة

تتجاوز الورقة معدل البطالة التقليدي، معتبرة أنه لا يكشف وحده الحجم الكامل لتعطل القدرات البشرية.

ووفق المعطيات التي قدمها المركز، لم يتجاوز معدل المشاركة في اليد العاملة 41.8 في المئة خلال الفصل الأول من سنة 2026، ما يعني أن نسبة واسعة من السكان في سن العمل لا تشتغل ولا تبحث عن عمل وفق التعريف الإحصائي الصارم.

وتزداد حدة المشكلة لدى النساء، إذ بلغت مشاركتهن في سوق العمل 17.5 في المئة فقط، مقابل متوسط عالمي أوردته الورقة في حدود 51 في المئة.

كما بلغ «عدم الاستخدام المركب للعمل» 22.5 في المئة وطنيا، وارتفع إلى 45.3 في المئة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة.

ويشمل هذا المؤشر، إلى جانب العاطلين، الأشخاص الراغبين في العمل الذين لا يستوفون جميع شروط تصنيفهم ضمن البطالة الرسمية، فضلا عن الذين يشتغلون ساعات أقل مما يرغبون فيه.

وتورد الورقة وجود 884 ألف شخص ضمن ما يسمى «اليد العاملة المحتملة» خارج التعريف الصارم للبطالة، بما يكشف أن أزمة الشغل أوسع من الرقم الذي يتصدر عادة النقاش العمومي.

نحو ثلاثة ملايين شاب خارج المسار

من أبرز الأرقام التي تسجلها الورقة وجود 2.94 مليون شاب وشابة بين 15 و29 سنة خارج التعليم والعمل والتكوين سنة 2023، بما يمثل 33.6 في المئة من هذه الفئة العمرية.

ولا يتعلق الأمر بكتلة اختارت الانسحاب، بل بشباب انقطعت مسارات بعضهم مبكرا، أو تعثر انتقالهم من التعليم إلى العمل، أو وجدوا أنفسهم داخل حلقة مغلقة عنوانها: لا خبرة من دون وظيفة، ولا وظيفة من دون خبرة.

وتفيد الورقة بأن 56 في المئة من الشباب بين 18 و35 سنة يتوفرون على تعليم بعد الثانوي، لكن الشهادة لا تتحول دائما إلى خبرة عملية أو فرصة مهنية أولى.

هذه الفجوة لا تنتج البطالة فقط، بل تؤثر في قدرة الشباب على الاستقلال والسكن وتكوين أسرة وبناء تصور مستقر للمستقبل. وعندما يطول الانتظار، قد تتحول الهجرة من اختيار اقتصادي محسوب إلى تصور وحيد للخروج من الانسداد.

وبحسب المعطيات التي استند إليها المركز، قال 55 في المئة من الشباب بين 18 و29 سنة إنهم فكروا في الهجرة خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2024.

ولا يعني التفكير اتخاذ قرار نهائي بالمغادرة، لكنه يكشف اتساع المسافة بين تطلعات الشباب وما يرونه متاحا أمامهم داخل البلاد.

الفنيدق تحت ضغط خاص

تولي الورقة أهمية خاصة لعمالة المضيق–الفنيدق، باعتبارها ليست مجرد نقطة انطلاق نحو سبتة، بل مجالا ترابيا يحمل ضغوطا اقتصادية واجتماعية متراكمة.

وبحسب أرقام المركز، بلغ معدل البطالة في العمالة 29 في المئة سنة 2024، مقابل 19.6 في المئة على مستوى جهة طنجة–تطوان–الحسيمة.

كما ارتفع معدل البطالة مقارنة بسنة 2014، حين كان في حدود 18 في المئة، بينما تراجع معدل النشاط من 51.4 إلى 45.3 في المئة خلال الفترة نفسها.

ولا تفسر هذه المؤشرات وحدها مشاركة شباب قدموا من مدن ومناطق مختلفة، لكنها تساعد على فهم قابلية المجال المحلي للاشتعال، في منطقة تعيش على تماس يومي مع تفاوت اقتصادي واجتماعي مرئي عبر الحدود.

نافذة ديموغرافية تضيق

تحذر الورقة من التعامل مع الشباب المغربي باعتباره كتلة ديموغرافية لا تنتهي، إذ تكشف تحولات السكان أن الفترة المتاحة لتحويل هذه الطاقة البشرية إلى إنتاجية بدأت تضيق.

وتراجعت حصة السكان بين 15 و59 سنة، بحسب الأرقام التي نقلها المركز، من 62.4 في المئة سنة 2014 إلى 59.7 في المئة سنة 2024.

وفي المقابل، ارتفعت نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق من 9.4 إلى 13.8 في المئة خلال عشر سنوات.

ويعني ذلك أن المغرب يتقدم تدريجيا نحو بنية سكانية أكثر شيخوخة، في وقت لم ينجح فيه بعد في إدماج جزء كبير من شبابه ونسائه في الاقتصاد المنتج.

وترى الورقة أن الخطر لا يكمن في وفرة الشباب، وإنما في أن يشيخ المغرب قبل تحويل كتلته الموجودة في سن العمل إلى إنتاجية وادخار وقدرة مستدامة على تمويل الحماية الاجتماعية.

من برامج متفرقة إلى عقد للتنفيذ

لا تقترح الورقة إطلاق برنامج جديد يضاف إلى قائمة المبادرات، بل تدعو إلى إقامة «عقد مهمة وطني للشباب والعمل المنتج» يمتد خمس سنوات، ويقوم على أهداف محددة زمنيا، ومسؤوليات معلومة، وبيانات منشورة، وتقييم مستقل يوقف المشاريع التي لا تحقق نتائج.

وتضع ضمن الأولويات توفير تجربة مهنية أولى مؤطرة ومدفوعة، وتوسيع التعلم بالتدرج، وإنشاء سجل للمهارات يحظى باعتراف المشغلين، وربط التعليم والتكوين بصورة أوثق بالفرص التي يوفرها الاقتصاد.

كما توصي بخطة ترابية خاصة بالمضيق والفنيدق وتطوان، لا تقتصر على إحداث مناصب الشغل، بل تربطها بالنقل والسكن والتكوين والقدرة على الاستقرار داخل المنطقة.

وعلى مستوى إدارة الأزمات، تدعو الورقة إلى اعتماد بروتوكول للإنذار والتواصل السريع، يستخدم اللغة والمنصات التي تصل فعليا إلى الشباب، قبل أن تملأ الشائعة فراغ المعلومة الرسمية.

فالحدود، وفق الخلاصة التي تنتهي إليها الورقة، لا تبدأ عند السياج المحيط بسبتة، بل في المدرسة والتكوين وأول فرصة عمل والنقل والسكن والثقة في إمكان التقدم.

وعندما تتعطل هذه المسارات، تصبح الحدود الجغرافية نهاية مرئية لأزمة بدأت قبلها بسنوات. أما منع تكرارها، فلا يتحقق بالمراقبة وحدها، بل بجعل البقاء في المغرب خيارا قابلا للحياة والعمل والترقي.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img