3 اقتراعات ومركز واحد.. سر الثبات الانتخابي للحركة الشعبية

تبدلت موازين القوى داخل مجلس النواب أكثر من مرة خلال العقد الأخير. صعدت أحزاب إلى الصدارة ثم تراجعت، وانهارت قوى انتخابية قبل أن تستعيد جزءا من حضورها، فيما انتقلت تشكيلات أخرى بين الأغلبية والمعارضة وخسرت عشرات المقاعد.

وسط هذه التحولات، واصلت الحركة الشعبية التحرك داخل مساحة انتخابية ضيقة ولكن مستقرة. حصلت على 27 مقعدا سنة 2016، ثم 28 مقعدا في انتخابات 2021، قبل أن ترفع حصيلتها إلى 29 مقعدا في اقتراع 23 شتنبر 2026.

في المحيط، لم يكن قرار التوقف عند نتائج الحركة الشعبية نابعا من حجم تقدمها في انتخابات 2026، فالحزب أضاف مقعدا واحدا فقط إلى حصيلته السابقة، وإنما من حالة تكاد تكون فريدة داخل الخريطة الحزبية المغربية: حزب بقي في المركز الخامس خلال ثلاثة استحقاقات تشريعية متتالية، فيما تغيرت مواقع كل الأحزاب المحيطة به تقريبا.

فبين 2016 و2026، تعرّض المشهد السياسي لزلازل متلاحقة. صعد العدالة والتنمية إلى الصدارة بـ125 مقعدا عام 2016، قبل أن ينهار إلى 13 مقعدا فقط عام 2021، ثم يستعيد جزءا كبيرا من قوته بـ54 مقعدا عام 2026 (+41 مقعدا عن 2021). وانتقل التجمع الوطني للأحرار من الصدارة في 2021 بـ102 مقعد إلى 66 مقعدا في 2026 (-36).

وعاد حزب الاستقلال إلى مواقع متقدمة رغم خسارته 16 مقعدا بين 2021 و2026 (من 81 إلى 65)، بينما نجح الأصالة والمعاصرة في الوصول إلى المركز الأول بـ97 مقعدا، بزيادة 10 مقاعد عن حصيلته في 2021 (87 مقعدا). وفي أقصى اليسار، قفز “تحالف اليسار” من مقعدين فقط في 2021 إلى 8 مقاعد في 2026 (+6).

وحدها الحركة الشعبية بدت وكأن الزلزال مرّ من حولها دون أن يزحزحها عن موقعها، وفي المحطات الثلاث، بقي خامسا، رغم تغيّر الأحزاب التي سبقته وتلك التي جاءت خلفه.

هذا الثبات يطرح سؤالا يتجاوز قراءة الأرقام المجردة: كيف استطاعت الحركة الشعبية حماية موقعها طوال عشر سنوات، رغم تقلب المزاج الانتخابي وتراجع المشاركة وتغيّر القيادات والمرشحين؟

وهل يتعلق الأمر بصلابة تنظيمية حقيقية، أم بفعالية خزانها القروي في إنتاج العدد نفسه تقريبا من المقاعد في كل استحقاق؟

ولم يقتصر هذا الثبات على عدد المقاعد. فقد احتلت الحركة الشعبية المركز الخامس في المحطات الثلاث، رغم تغير الأحزاب التي سبقتها وتقلب موازين القوة بينها.

أما إذا مددنا المقارنة إلى انتخابات 2011، فسنجد أن الحزب حصل حينها على 32 مقعدا واحتل المرتبة السادسة. وهذا يعني أن حصيلته خلال خمسة عشر عاما ظلت محصورة بين 27 و32 مقعدا، وأنه لم يغادر الصف الثاني من المشهد الحزبي، لا صعودا نحو المراتب الأولى ولا تراجعا إلى خانة الأحزاب الصغيرة.

كيف تمكن حزب لا تقوده موجة وطنية ولا يتصدر التصويت في المدن الكبرى من الحفاظ على موقعه وسط زلازل السياسة والعزوف الانتخابي؟

المركز ثابت والخريطة تتغير

دخلت الحركة الشعبية انتخابات 2011 وحصلت على 32 مقعدا، محتلة المرتبة السادسة خلف العدالة والتنمية والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي.

وفي 2016، تراجع رصيدها إلى 27 مقعدا، لكنها تقدمت إلى المركز الخامس نتيجة التراجع الأكبر الذي سجله الاتحاد الاشتراكي. وتوزعت حصيلتها حينها بين 20 مقعدا محليا وسبعة مقاعد ضمن اللائحة الوطنية.

وعندما أعادت انتخابات 2021 ترتيب المشهد، بصعود التجمع الوطني للأحرار والاستقلال وانهيار العدالة والتنمية، حافظت الحركة الشعبية على موقعها. أنهت الاقتراع بـ28 مقعدا وبقيت خامسة.

وفي 2026، تغيرت خريطة الصدارة مرة أخرى. تصدر الأصالة والمعاصرة، وتراجع التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، واستعاد العدالة والتنمية جزءا من قوته، بينما رفعت الحركة حصيلتها إلى 29 مقعدا واحتفظت بالمركز الخامس للمرة الثالثة على التوالي.

لا تصنع الحركة موجة انتخابية وطنية، لكنها تعرف كيف تنجو من الموجات التي يصنعها الآخرون. لم تنهَر عندما صعد العدالة والتنمية، ولم تختف عندما تصدر الأحرار انتخابات 2021، كما لم تفقد موقعها مع عودة حزب المصباح في 2026.

إنها قوة مقاومة انتخابية أكثر منها قوة توسع.

المقاعد مستقرة والأصوات تتحرك

قد يوحي تقارب عدد المقاعد بأن الكتلة الناخبة للحركة الشعبية ظلت ثابتة، لكن الأرقام تكشف صورة أكثر تعقيدا.

حصل الحزب على نحو 397 ألف صوت سنة 2016، ثم ارتفع رصيده المحلي إلى قرابة 534 ألف صوت في 2021، قبل أن يتراجع إلى حوالي 356 ألف صوت في 2026.

فقدت الحركة الشعبية، بين الاقتراعين الأخيرين، قرابة 178 ألف صوت محلي، أي نحو ثلث رصيدها، ومع ذلك أضافت مقعدا إلى حصيلتها البرلمانية.

غير أن هذا التراجع وقع في سياق انخفضت فيه المشاركة وطنيا، وفقدت معظم الأحزاب جزءا من كتلها التصويتية. لذلك استطاعت الحركة المحافظة على وزنها النسبي، رغم تقلص العدد الإجمالي للمصوتين عليها.

الأدق، إذن، أن الحزب حافظ على حجمه البرلماني ووزنه داخل الخريطة الحزبية، لا على عدد ثابت من الناخبين.

وتظهر المقاعد المحلية استمرارية أكثر دلالة. فقد حصل الحزب على 20 مقعدا محليا سنة 2016، ثم عاد في 2026 إلى العدد نفسه، مضافا إليه تسعة مقاعد جهوية. ورغم اختلاف نظام اللوائح بين الاقتراعين، فإن ثبات التمثيل المحلي يشير إلى أن النواة الترابية للحركة بقيت قادرة على إنتاج الحجم البرلماني نفسه تقريبا.

لا تكمن قوة الحزب في امتلاك كتلة تصويتية ضخمة، بل في توزيعها بكفاءة. فأصواته لا تتبدد بالتساوي بين الدوائر، وإنما تتركز في جماعات ومناطق يستند فيها إلى مرشحين ذوي حضور محلي وشبكات قادرة على تعبئة الناخبين.

الحزام القروي يحمي السنبلة

ترتبط الحركة الشعبية تاريخيا بالعالم القروي والمناطق الجبلية، لكنها لا تستفيد من القرى باعتبارها خزانا انتخابيا جاهزا أو كتلة تصوت للحزب بصورة آلية.

تكشف دراسة الباحث إبراهيم جديد حول السلوك الانتخابي في المجال القروي، انطلاقا من حالة قبائل زيان، أن قرار الناخب يتشكل من تداخل روابط العائلة والقبيلة مع المصالح المحلية وتقييم المرشح والقدرة على توفير الخدمات.

وأظهرت الدراسة أن 40 في المائة من أفراد العينة يتأثرون بالروابط القبلية أو العائلية، بينما ربط 20.5 في المائة اختيارهم بالخدمات والمصالح المحلية. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة التصويت المبني أساسا على البرنامج أو الانتماء الحزبي 14.2 في المائة.

تفسر هذه المعطيات جانبا من النموذج الانتخابي للحركة. فالناخب القروي قد لا يصوت للسنبلة بسبب خطها السياسي وحده، لكنه قد يختار مرشحها لارتباطه بالمنطقة أو قدرته على الترافع عن الطريق والماء والمستوصف والنقل والمدرسة.

ويتضح أثر هذه الجغرافيا في دائرة مكناس خلال انتخابات 2026. حيث تتقاطع دراسة جديد مع دراسة رقمية لعصام عبار ، تظهر أن عبد القادر لبريكي، وكيل لائحة الحركة الشعبية، حل ثانيا خلف عبد الله بوانو عن العدالة والتنمية، لكن تفكيك النتائج أظهر أن القوة الأساسية للائحة لم تأت من قلب المدينة، بل من الجماعات القروية المحيطة بها.

حصل الحزب على أكثر من عشرة آلاف صوت داخل المهاية والمغاصيين ووليلي ونزالة بني عمار وسيدي عبد الله الخياط. وبلغت حصته 82.5 في المائة في المهاية، وتجاوزت 60 في المائة في المغاصيين ووليلي، وفاقت 42 في المائة في الجماعتين الأخريين.

وجاء نحو 90 في المائة من أصوات الحركة داخل دائرة مكناس من الوسط القروي. وهكذا بدا المقعد، من الناحية الإدارية، مكسبا داخل دائرة تضم مدينة كبرى، بينما كان الحزام القروي هو الذي حسمه عمليا.

توضح حالة مكناس كيف تحول الحركة أصواتا مركزة داخل جماعات محددة إلى مقاعد، من دون الحاجة إلى تصدر المدن أو بناء موجة سياسية تشمل مجموع الدائرة.

التاريخ وحده لا يحمي المقاعد

لا يعني هذا أن العالم القروي يمنح الحركة الشعبية مقاعد مضمونة. فالروابط التاريخية قد تحمي الحزب زمنا، لكنها تفقد فعاليتها عندما تضعف الشبكات المحلية أو يظهر منافسون أكثر قدرة على التعبئة.

برز ذلك في بولمان خلال انتخابات 2026. فقد ظل المقعد في حوزة الحركة خلال استحقاقي 2016 و2021 بترشيح حسن العنصر، قبل أن يختار الحزب إعادة الدفع بامحند العنصر، الأمين العام السابق وأحد أبرز رموزه التاريخية.

غير أن عودة الاسم الأكثر ارتباطا بتاريخ السنبلة في الإقليم لم تكن كافية للاحتفاظ بالمقعد.

وتكشف خسارة بولمان أن الذاكرة الانتخابية لا تحسم المنافسة وحدها. فالناخب ينظر أيضا إلى جودة المرشح، وحضوره بين الاستحقاقات، وفعالية شبكته، وقدرته على تقديم عرض يتصل بالمشكلات اليومية للسكان.

تقدم مكناس وبولمان صورتين متقابلتين للنموذج نفسه. في الأولى، أنتجت شبكة قروية متماسكة مقعدا داخل دائرة صعبة. وفي الثانية، لم تستطع الرمزية التاريخية الصمود أمام عرض انتخابي منافس أكثر فاعلية.

القوة، إذن، لا توجد في القرية وحدها، بل في التنظيم المستمر داخلها.

حصن البقاء وسقف الصعود

انتقلت قيادة الحركة الشعبية سنة 2022 من امحند العنصر، الذي ظل أمينا عاما منذ 1986، إلى محمد أوزين. جرى الانتقال من دون قطيعة تنظيمية، بعدما أصبح العنصر رئيسا للحزب وتولى أوزين مسؤولية تدبيره السياسي والتنظيمي.

حافظت القيادة الجديدة على قضايا العالم القروي والأمازيغية والعدالة المجالية، لكنها قدمتها بنبرة معارضة أكثر وضوحا وحضور إعلامي أكبر. كما حاول الحزب تعويض بعض المغادرين باستقطاب مرشحين يمتلكون حضورا محليا، ما سمح له بخسارة دوائر والفوز بأخرى من دون أن يتغير حجمه البرلماني.

نجحت الحركة في حماية مركزها الخامس، لكنها لم تتمكن من كسر سقف الثلاثين مقعدا أو تحويل امتدادها القروي إلى توسع وطني واسع.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: القاعدة القروية التي تحمي الحزب من الانهيار قد تكون هي نفسها ما يحد من نموه. فهي تمنحه عددا مستقرا من المقاعد، لكنها لا تكفي وحدها لمنافسة الأحزاب التي تجمع بين شبكات الأعيان والحضور داخل المدن والقدرة على قيادة موجة سياسية وطنية.

كما أن التحولات الديمغرافية، واتساع الضواحي، وصعود أجيال شابة أقل ارتباطا بالبنيات التقليدية، تجعل الاكتفاء بالخزانات الانتخابية التاريخية خيارا محفوفا بالمخاطر.

سيكون التحدي المقبل أمام الحركة الشعبية، إذن، الانتقال من حماية القاعدة إلى توسيعها، ومن تعويض مرشح بآخر إلى بناء عرض سياسي يجذب الناخب خارج دوائرها التقليدية خاصة فئة الشباب من جيل زد التي ظلت عصية على الأجزاب وهو ما اتضح في اقتراع 23 شتنبر وستضاف اليها كتلة جيل ألفا في انتخابات 2031.

ولتحقيق ذلك، يحتاج الحزب إلى تحويل قضايا العالم القروي من مطلب محلي إلى مشروع وطني؛ فالماء والصحة والتعليم والنقل والفوارق المجالية لم تعد مشكلات تخص القرى وحدها، بل أصبحت هموما يومية داخل الضواحي والمدن الصغرى، بل وحتى في أطراف المراكز الحضرية الكبرى.

لقد حافظ الحزب على جذوره: انتقل من المرتبة السادسة إلى الخامسة بين 2011 و2016، ثم لم يغادر ذلك الموقع طوال ثلاثة اقتراعات متتالية، في مشهد سياسي لا يكافئ عادة إلا من يصعد أو يسقط بشكل لافت. غير أن تجاوز سقف الثلاثين مقعدا لن يتحقق بحماية الحزام القروي وحده، بل بقدرة الحزب على الخروج منه من دون أن يفقده.

وسواء نجح الحزب في عبور هذا الاختبار أم تعثر فيه، فإن المسار الذي قطعه حتى الآن يكفي وحده لوصفه بأنه حالة فريدة في المشهد الحزبي المغربي: حزب لم يصعد كثيرا ولم يسقط قط، بينما تناوبت الأحزاب من حوله على الصدارة والانهيار والعودة. وهذا، في بلد تتبدل فيه خرائط الأحزاب من انتخاب إلى آخر، إنجاز لا يقل دلالة عن أي قفزة في عدد المقاعد.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img