أربع مقاتلات جزائرية من طراز «سوخوي Su-30» هبطت في النيجر نهاية غشت الماضي، وبقيت هناك أياما قبل أن تعود إلى قواعدها في جنوب الجزائر.
كان التحرك على ما يبدو مرتبطا بمحاولة زعزعة الاستقرار في نيامي، لكنه كشف في الوقت نفسه عن تحولات أوسع تجري في منطقة الساحل.
فالجزائر، التي تتقاسم حدودا طويلة مع مالي والنيجر ولها مشاكل مع جيرانها، تعمل على استعادة حضورها في منطقة تغيرت موازينها بسرعة، بينما يتحرك المغرب عبر مقاربة مختلفة تقوم على الاستثمار والربط التجاري والموانئ وفتح منفذ أطلسي أمام دول الساحل الحبيسة.
صحيفة «فايننشال تايمز» أعادت هذا الأسبوع تسليط الضوء على هذه المعادلة، معتبرة أن التحركات الجزائرية الأخيرة تتجاوز البعد الأمني إلى محاولة استعادة نفوذ تراجع خلال السنوات الماضية، بالتزامن مع صعود فاعلين إقليميين ودوليين جدد.
وكانت وزارة الدفاع الجزائرية قد أعلنت، في 30 غشت، إرسال سربين يضمان أربع مقاتلات من طراز Su-30، إلى جانب طائرة للتزود بالوقود، بناء على طلب السلطات النيجرية.
وبحسب «فايننشال تايمز»، شكلت العملية واحدا من أبرز التحركات العسكرية الجزائرية المعلنة خارج البلاد منذ عقود.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الجزائر انتقلت إلى عقيدة عسكرية جديدة. فالتعديل الدستوري لسنة 2020 فتح أصلا إمكانية مشاركة وحدات من الجيش خارج البلاد وفق شروط محددة. الجديد هو أن هذه الإمكانية أصبحت أكثر حضورا ضمن أدوات التحرك الجزائري في محيطه الإقليمي.
ويأتي ذلك وفق الصحيفة الأمريكية بعدما تعرض حضور الجزائر التقليدي في الساحل لاختبارات متتالية. فقد توترت علاقاتها مع مالي، التي لعبت فيها تاريخيا دور الوسيط، قبل أن يبدأ البلدان في يوليو الماضي إعادة فتح قنوات الاتصال بعد أزمة دبلوماسية طويلة.
إقرأ أيضا : حين يتمرد الجيش على حكم الجيش.. ماذا يحدث في النيجر؟
لكن الأمن لا يفسر وحده عودة الجزائر جنوبا. فهناك أيضا الطاقة والبنية التحتية، وفي مقدمتها مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يفترض أن يربط نيجيريا بالمتوسط عبر النيجر والجزائر.
وفي الجهة الأخرى، يتحرك المغرب نحو المنطقة من بوابة مختلفة. فرغم عدم امتلاكه حدودا مباشرة مع دول الساحل، بنى خلال السنوات الأخيرة شبكة من العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والدينية، قبل أن يضع المبادرة الأطلسية في قلب مقاربته للمنطقة.
وتقترح المبادرة تمكين الدول الحبيسة من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر البنيات التحتية والموانئ وشبكات النقل المغربية. وفي يوليو الماضي، جددت مالي التزامها بها، مع الحديث عن الانتقال التدريجي إلى تنزيل المشاريع المرتبطة بها.
وكانت صحيفة «المحيط» قد توقفت، في تحليل سابق لأحداث النيجر، عند توسع العلاقات بين الرباط ونيامي قبل أشهر من الاضطرابات الأخيرة، بعدما وقع البلدان 14 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت قطاعات متعددة. وما بدا حينها توسيعا للتعاون الثنائي يأخذ اليوم بعدا أوسع داخل إعادة تشكيل علاقات الساحل بمحيطه.
وتظهر هذه التحولات بصورة أوضح في ملف الطاقة. فالجزائر تراهن على خط يربط نيجيريا بالمتوسط عبر النيجر، فيما يعمل المغرب ونيجيريا على مشروع الغاز الإفريقي الأطلسي بمحاذاة الساحل الغربي للقارة.
وفي يوليو، تقدم المشروع المغربي النيجيري بتوقيع الاتفاق الحكومي من دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، مع إمكانية ربط دول الساحل الحبيسة به مستقبلا.
وهنا تتجاوز المسألة أنبوبين للغاز. إنها رؤيتان للربط الإقليمي: محور يتجه شمالا نحو المتوسط عبر الجزائر، ومسار أطلسي يراهن المغرب من خلاله على الموانئ والتجارة والطاقة لربط الساحل بغرب إفريقيا والأسواق الدولية.
إقرأ أيضا: من نيويورك إلى الرباط.. المبادرة الأطلسية تتجه نحو التنفيذ
ومع ذلك، لا تختصر التحولات الجارية في الساحل في العلاقة بين المغرب والجزائر وحدهما. فالمنطقة تشهد إعادة توزيع أوسع للنفوذ، مع تنامي الحضور الروسي وتراجع الدور الفرنسي، وسعي مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى تنويع شركائها والاستفادة من تعدد العروض الأمنية والاقتصادية.
وبالنسبة إلى المغرب، ترفع هذه التحولات من أهمية انتقال المبادرة الأطلسية من الرؤية السياسية إلى المشاريع الملموسة. فكل طريق أو ميناء أو شبكة للطاقة تدخل حيز التنفيذ تجعل الحضور المغربي أقل ارتباطا بتقلبات التحالفات وأكثر ارتباطا بمصالح اقتصادية طويلة الأمد.
المغرب يعزز حضوره في منطقة الساحل عبر مقاربة تتجاوز الاعتبارات الجغرافية والأمنية ، وتقوم على بناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد، وفتح آفاق جديدة أمام الدول الحبيسة للوصول إلى المحيط الأطلسي والأسواق الدولية.
وبينما تعتمد الجزائر على قربها الجغرافي وأدواتها الأمنية والطاقية لتعزيز نفوذها التقليدي، تسعى الرباط إلى ترسيخ موقعها شريكا استراتيجيا في إعادة تشكيل شبكات التجارة والربط الإقليمي، بما يجعل المصالح الاقتصادية المشتركة أساسا لحضور مستدام في المنطقة.
وهكذا، فإن ما يتغير في الساحل يتجاوز ميزان النفوذ بين المغرب والجزائر إلى اتجاه المنطقة نفسها: هل ستظل طرقها الاستراتيجية تتجه شمالا نحو المتوسط، أم سيصبح الأطلسي منفذا إضافيا يعيد تشكيل تجارتها وعلاقاتها الاقتصادية؟
الجواب لن تحدده المقاتلات أو المبادرات المعلنة وحدها، بل المشاريع التي ستتحول إلى طرق وموانئ وطاقة ومصالح على الأرض.


