بعد Google Zero.. الصحافة المغربية أمام نهاية عصر الزيارات السهلة

طوال سنوات، عاشت الصحافة الرقمية المغربية على معادلة بدت مستقرة: اكتب ما يبحث عنه الناس، احترم قواعد SEO، انتظر جوجل ثم راقب عداد الزيارات يرتفع.

وفي مرحلة أخرى، كان فيسبوك يقوم بالمهمة نفسها. صفحة قوية وعنوان يجذب الانتباه كانا قادرين على إرسال عشرات الآلاف من القراء إلى موقع إخباري خلال ساعات.

اشتغلت داخل هذه البيئة لسنوات، ورأيت كيف تحولت أرقام الزيارات تدريجيا من وسيلة لقياس الوصول إلى الجمهور إلى هدف تحريري قائم بذاته.

كان السؤال في اجتماعات كثيرة واضحا: كم حقق الخبر؟

والمقصود غالبا ليس ماذا أضاف الخبر، أو كم قارئا عاد إلى الموقع بعد قراءته، وإنما كم زيارة سجلها.

هذه المعادلة تقترب اليوم من نهايتها.

ليس لأن الناس توقفوا عن البحث عن الأخبار، ولكن لأن الطريق بين السؤال والموقع الصحفي يتغير بسرعة. 

غوغل نفسه أصبح يقدم إجابات مولدة بالذكاء الاصطناعي، بينما يتجه مستخدمون مباشرة إلى ChatGPT وGemini وClaude للحصول على المعلومة دون المرور بالضرورة على الصفحة التي أنتجتها.

هذا السيناريو أصبح يعرف داخل صناعة الإعلام باسم Google Zero.

والتعبير لا يعني اختفاء جوجل أو وصول الإحالات منه حرفيا إلى الصفر، بل يصف عالما تستطيع فيه محركات البحث الإجابة عن جزء متزايد من أسئلة المستخدم من دون إرساله إلى المواقع التي استندت إليها تلك الإجابة.

الأرقام بدأت تعطي هذا التحول معنى ملموسا.

دراسة لمركز Pew Research Center وجدت أن المستخدمين ضغطوا على رابط خارجي في نحو 8 في المائة من الزيارات التي ظهر فيها ملخص مولد بالذكاء الاصطناعي، مقابل 15 في المائة عندما لم يظهر ذلك الملخص.

كما أظهرت بيانات Chartbeat، التي شملت نحو 2500 موقع، تراجعا كبيرا في الزيارات القادمة من بحث جوجل إلى المواقع الإخبارية عالميا.

بالنسبة إلى المؤسسات الكبرى، هذه مشكلة في نموذج الأعمال.

أما بالنسبة إلى جزء من الصحافة الرقمية المغربية، فقد تكون المشكلة أعمق.

عندما لا نملك القارئ

بنت مواقع مغربية كثيرة جمهورها فوق أرض لا تملكها.

مرة كانت الأرض هي فيسبوك. تغيرت الخوارزمية فتراجعت الزيارات.

ثم أصبحت جوجل أكثر أهمية. استثمرت المواقع في SEO، وطاردت الكلمات المفتاحية وGoogle Discover، وأصبح تحديث الخوارزمية قادرا على رفع موقع أو إسقاط جزء مهم من زياراته.

واليوم يظهر لاعب ثالث: الذكاء الاصطناعي.

المشكلة واحدة في الحالات الثلاث.

نحن ننتج المحتوى، لكن طرفا آخر يقرر كيف يصل إليه الجمهور.

وهذا تحديدا ما يجعل النقاش الذي شهده مؤتمر Future of Media Technology في لندن مهما بالنسبة إلينا في المغرب.

فبحسب تقرير نشره مختبر نيمان للصحافة، بدأ ناشرون دوليون يعيدون النظر حتى في معنى النجاح الرقمي نفسه.

بدلا من السؤال فقط عن عدد مشاهدات الصفحة، أصبح السؤال عن عدد القراء الذين يعودون، ومن يفتح التطبيق، ومن يشترك في النشرة البريدية، ومن يبني علاقة منتظمة مع المؤسسة.

الفرق جوهري.

هناك فرق بين مليون شخص مروا على موقعك لأن خوارزمية أرسلتهم إليه، ومائة ألف يعرفون اسم الموقع ويعودون إليه بإرادتهم.

النشرة البريدية ليست تفصيلا قديما

ومن المفارقات أن أحد الحلول التي تعود إلى الواجهة في عصر الذكاء الاصطناعي ليس تقنية جديدة، بل البريد الإلكتروني.

عندما يترك القارئ بريده للمؤسسة ويطلب تلقي نشرتها، تصبح هناك للمرة الأولى تقريبا علاقة مباشرة لا تتوسطها خوارزمية فيسبوك ولا صفحة نتائج غوغل.

وتعرض تجربة The Logic الكندية مثالا واضحا. فالمؤسسة المتخصصة في التكنولوجيا والأعمال لم تتعامل مع الرسائل البريدية باعتبارها إضافة صغيرة في أسفل الموقع، بل وضعتها في قلب منتجها الصحفي.

وهنا أعتقد أن لدينا في المغرب مشكلة ثقافية قبل أن تكون تقنية.

أنشأنا مواقع كثيرة، وصفحات فيسبوك كبيرة، وقنوات يوتيوب وحسابات على الشبكات الاجتماعية، لكننا استثمرنا بدرجة أقل في بناء قاعدة قراء نملك وسيلة الوصول المباشر إليهم.

نعرف أحيانا عدد متابعينا على فيسبوك، لكن كم مؤسسة صحفية مغربية تعرف فعليا قراءها المنتظمين؟

وكم منها تستطيع الوصول إليهم غدا إذا قررت منصة ما تغيير خوارزميتها؟

من SEO إلى GEO

لا يعني كل ذلك أن SEO انتهى.

غوغل سيظل مهما، لكن بجواره يولد مجال جديد يمكن تسميته Generative Engine Optimization أو GEO: كيف تجعل المحتوى الصحفي مفهوما وقابلا للاكتشاف والاستشهاد به داخل محركات الإجابة القائمة على الذكاء الاصطناعي؟

وهنا تصبح أشياء كنا نتعامل معها أحيانا باعتبارها تفاصيل تقنية أكثر أهمية: بنية المقال، البيانات الوصفية، هوية الكاتب، المصدر الأصلي، الروابط، التخصص، والقدرة على إنتاج معلومات أصلية لا مجرد إعادة صياغة ما نشره الآخرون.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع تلخيص عشرين خبرا متشابها في ثوان.

لكن ماذا سيلخص إذا كانت المؤسسات العشرون تعيد كتابة البلاغ نفسه؟

السؤال يعيدنا إلى أصل الصحافة.

المعلومة التي حصل عليها الصحفي بنفسه، والوثيقة التي بحث عنها، والرقم الذي حلله، والمصدر الذي تحدث إليه، والتحقيق الميداني، والخبرة المتراكمة في مجال محدد؛ تصبح كلها أكثر قيمة عندما يصبح إنتاج النص نفسه رخيصا ومتاحا للجميع.

حتى اسم الصحفي يعود إلى الواجهة

يلفت تقرير مختبر نيمان أيضا إلى اتجاه مثير.

مؤسسات عريقة بدأت تمنح صحفييها حضورا أكبر أمام الجمهور. حتى ’’الإيكونوميست’’ المعروفة تاريخيا بتقليد عدم إبراز أسماء كتابها، بدأت تمنح الشخصيات الصحفية مساحة أوضح، بينما تستثمر مؤسسات أخرى في الفيديو والحضور الشخصي للصحفيين.

لا يتعلق الأمر بتحويل الصحفي إلى مؤثر.

بل بإعادة الإنسان إلى المنتج الصحفي.

عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة نص مقبول خلال ثوان، تصبح أسئلة مثل: من كتب؟ ومن تحقق؟ ومن تحدث إلى المصادر؟ ومن يتحمل المسؤولية عن الخطأ؟ جزءا من القيمة التي لا يستطيع النص المولد وحده توفيرها.

وهذه نقطة تستحق التفكير فيها داخل الصحافة المغربية، التي تعاملت طويلا مع الصحفي أحيانا باعتباره مجرد منتج للمحتوى خلف العلامة الإعلامية.

ماذا نفعل في موقع صغير؟

بالنسبة إلى موقع صغير ، لا يمكن أن تكون الإجابة منافسة المؤسسات الكبرى في عدد الأخبار.

ولا يمكننا كذلك أن نبني المستقبل على أمل أن يحبنا Google Discover كل صباح.

الرهان الأكثر واقعية هو أن يكون لدينا شيء يستحق أن يعود القارئ من أجله: تفسير، تحليل، بيانات، تخصص، مصادر واضحة، وصوت تحريري يمكن التعرف إليه.

ثم بناء الطرق التي تسمح لهذا القارئ بالعودة: نشرة بريدية إشعارات، حضور اجتماعي ذكي، قاعدة قراء، وربما منتجات أكثر تخصصا مع نمو المؤسسة.

هذا لا يلغي غوغل ولا فيسبوك ولا الذكاء الاصطناعي.

بل يغير العلاقة معها.

نستخدم المنصات للوصول إلى القارئ، لكن لا نترك علاقتنا بالقارئ ملكا كاملا للمنصات.

لسنوات كان السؤال داخل الصحافة الرقمية المغربية: كيف نجعل غوغل وفيسبوك يرسلان إلينا أكبر عدد من الزوار؟

في عصر Google Zero، ربما علينا قلب السؤال:

كيف نجعل القارئ يبحث عن اسمنا قبل أن يبحث عن الخبر؟

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img