كان يفترض أن تكون قمة أكتوبر لحظة إغلاق واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في علاقات إسبانيا مع جوارها المغاربي.
لكن الموعد الذي كان سيجمع الحكومتين الإسبانية والجزائرية في مدريد يومي 20 و21 أكتوبر أصبح معلقا، بعدما أفادت وسائل إعلام إسبانية بأن مدريد قررت تأجيله من دون تحديد تاريخ جديد.
وكانت صحيفة The Objective أول من كشف القرار، نقلا عن مصادر دبلوماسية، فيما أفادت El Español لاحقا بأن القمة باتت معلقة، وسط غياب تفسير رسمي من الحكومة الإسبانية.
المفاجأة أن القمة لم تكن تبدو متعثرة في العلن.
ففي 24 شتنبر فقط، كان وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس يجتمع بنظيره الجزائري أحمد عطاف في نيويورك، وكان التحضير لاجتماع أكتوبر ضمن الملفات المطروحة بين الطرفين.
وكان مقررا أن يرافق القمة منتدى اقتصادي، بما يعكس رغبة البلدين في نقل المصالحة من استعادة الحوار السياسي إلى إعادة بناء التعاون الاقتصادي والمؤسساتي.
لذلك لا تكمن القصة في موعد سقط من أجندة بيدرو سانشيز، بل في المسار الذي أوصل إليه.
فمنذ 2022، بنت مدريد شراكة جديدة مع الرباط، وتحملت بسببها أزمة طويلة مع الجزائر، ثم أمضت السنوات التالية تحاول استعادة الأخيرة من دون تفكيك ما بنته مع المغرب.
وكانت قمة أكتوبر ستشكل أهم اختبار حتى الآن لنجاح هذه المعادلة.
أربع سنوات غيرت المعادلة
في ربيع 2022، خرج المغرب وإسبانيا من أزمة دبلوماسية حادة، لكن العودة لم تكن مجرد مصالحة أعادت العلاقة إلى وضعها السابق.
دخل البلدان مرحلة جديدة ارتبطت بخارطة طريق أوسع للتعاون، بالتزامن مع التحول الإسباني في قضية الصحراء.
وأثار هذا التحول غضب الجزائر، التي استدعت سفيرها ثم علقت معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا.
وجدت مدريد نفسها أمام كلفة مباشرة لخيارها الجديد.
لكن السنوات التالية أظهرت أن إسبانيا لم تتعامل مع ما حدث باعتباره مناورة مؤقتة.
فالعلاقة مع المغرب أخذت تتحول تدريجيا إلى شبكة أوسع من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية.
وفي دجنبر 2025، عقد البلدان الاجتماع الثالث عشر رفيع المستوى في مدريد، ووقعا 14 اتفاقا جديدا شملت مجالات متعددة.
ووصفت رئاسة الحكومة الإسبانية العلاقات حينها بأنها تمر بـ«لحظة ممتازة»، مؤكدة أن إسبانيا ظلت منذ 2012 الشريك التجاري الأول للمغرب.
أي أن العلاقة التي بدأت سنة 2022 بتجاوز أزمة أصبحت، بعد أربع سنوات، أكثر مؤسساتية وتراكما.
على الجبهة الأخرى، كانت مدريد أمام معادلة مختلفة.
فإسبانيا تستطيع تعميق علاقتها مع المغرب، لكنها لا تستطيع تجاهل الجزائر، باعتبارها موردا رئيسيا للطاقة وقوة متوسطية وفاعلا مهما في الساحل، فضلا عن كونها سوقا ذات أهمية للشركات الإسبانية.
لهذا بدأت مدريد، بعد ذروة الأزمة، إعادة فتح القنوات مع الجزائر تدريجيا.
واللافت أن هذه العودة لم تقترن بإعلان إسباني عن تغيير جديد في موقفها من قضية الصحراء.
وبدلا من التعامل مع المغرب والجزائر ككفتي ميزان، بحيث يقتضي التقارب مع أحدهما الابتعاد عن الآخر، حاولت مدريد فصل المسارين.
الحفاظ على ما بنته مع الرباط، وفي الوقت نفسه استعادة الجزائر.
في 20 يوليوز الماضي، بدا أن هذه السياسة تقترب من النجاح.
وصل سانشيز إلى الجزائر والتقى الرئيس عبد المجيد تبون، في زيارة حملت لغة مختلفة عن سنوات الأزمة.
تحدث رئيس الحكومة الإسبانية عن فتح «مرحلة جديدة»، ووصف الجزائر بأنها «شريك استراتيجي» و«بلد صديق»، وأعلن الطرفان الاتفاق على عقد الاجتماع الثامن رفيع المستوى في الخريف.
وكانت الدلالة واضحة، فآخر قمة حكومية من هذا النوع عقدت سنة 2018.
أي أن اجتماع أكتوبر كان سيصبح الأول منذ ثماني سنوات، والأول منذ الأزمة التي اندلعت في 2022.
ولم تكن مدريد تريد فقط إصلاح العلاقة السياسية.
فالجزائر أصبحت، بحسب الحكومة الإسبانية، أكبر مورد للغاز الطبيعي لإسبانيا منذ بداية 2026.
وفي الوقت نفسه، تحدث سانشيز عن توسيع التعاون إلى الصناعة والبنية التحتية والغذاء والخدمات والابتكار والتكنولوجيا والرقمنة.
كانت إسبانيا، بعبارة أخرى، تحاول استعادة الجزائر كشريك كامل، لا مجرد مورد للطاقة.
قمتان ومساران مختلفان
هنا تظهر إحدى أكثر المقارنات دلالة في التحولات التي شهدتها السنوات الأربع الماضية.
في دجنبر 2025، عقد المغرب وإسبانيا اجتماعهما الثالث عشر رفيع المستوى ووقعا 14 اتفاقا جديدا.
وفي أكتوبر 2026، كان يفترض أن تعقد الجزائر وإسبانيا اجتماعهما الثامن، والأول منذ 2018.
الأرقام وحدها لا تقيس قوة العلاقات بين الدول، لكنها تكشف في هذه الحالة اختلاف المرحلة التي يوجد فيها كل مسار.
العلاقة المغربية الإسبانية انتقلت من تجاوز الأزمة إلى توسيع الشراكة، بينما لا تزال العلاقة الإسبانية الجزائرية تستعيد الآليات التي فقدتها خلال سنوات القطيعة.
وكانت قمة أكتوبر ستقلص هذه المسافة.
ثم جاء التأجيل.
حتى الآن، لا توجد إجابة رسمية واحدة عن أسبابه.
The Objective ربطت، نقلا عن مصادر دبلوماسية، القرار بحسابات مدريد قبيل زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر.
لكن ذلك يبقى تفسيرا لمصادر الصحيفة، وليس سببا أعلنته الحكومة الإسبانية.
أما الاسبانيول، فأضافت عاملا إسبانيا داخليا مرتبطا بحالة عدم اليقين السياسي في مدريد واحتمال الذهاب إلى انتخابات مبكرة.
هكذا يبدو التأجيل نتيجة لحظة سياسية أكثر تعقيدا من أن تختزل في عامل واحد.
فمدريد تتحرك بين ضغوط داخلية متزايدة، وحسابات إقليمية حساسة، ومسار مصالحة مع الجزائر لم يستعد بعد كل ما فقده منذ أزمة 2022.
أما بالنسبة إلى المغرب، فتكمن أهمية التطور في المعادلة الجديدة التي تشكلت خلال السنوات الأربع الماضية.
فمنذ 2022، تغيرت طبيعة العلاقة بين الرباط ومدريد، وأصبحت استعادة إسبانيا لعلاقاتها مع الجزائر تجري داخل معادلة جديدة لم تكن قائمة قبل أزمة 2022.
إسبانيا التي تحاول استعادة الجزائر اليوم ليست إسبانيا التي دخلت معها في الأزمة قبل أربع سنوات.
فخلال هذه الفترة، توسعت المصالح المشتركة مع المغرب، واستمرت الاجتماعات الحكومية، ودخلت مجالات جديدة إلى الشراكة.
وفي الوقت نفسه، بدأت مدريد إعادة بناء علاقتها مع الجزائر من دون إعلان تغيير جديد في موقفها من قضية الصحراء.
فهي لا تحاول إصلاح علاقتها مع الجزائر عبر العودة إلى ما قبل 2022، بل تحاول استعادتها داخل واقع جديد تشكل منذ ذلك التاريخ.
اختبار السياسة الإسبانية الجديدة
لفترة طويلة، كان من السهل قراءة السياسة الإسبانية في المغرب العربي بمنطق التوازن.
تقارب مع الرباط يستدعي مراقبة الجزائر، وتحسن مع الجزائر يثير السؤال في المغرب.
لكن ما تحاول مدريد فعله اليوم أكثر تعقيدا.
فالمغرب بالنسبة إليها شريك تجاري وأمني رئيسي، وبوابة نحو إفريقيا، وفاعل أساسي في الهجرة والاستثمار والربط بين الضفتين.
والجزائر مورد للطاقة وقوة متوسطية وفاعلا مهما في الساحل، إضافة إلى سوق تريد الشركات الإسبانية استعادة حضورها فيها.
إسبانيا تحتاج، وفق هذا المنطق، إلى علاقتين قويتين في الوقت نفسه.
لكن المصالح يمكن فصلها على الورق، بينما الجغرافيا السياسية لا تفعل ذلك دائما.
فالخلاف المغربي الجزائري وقضية الصحراء وملفات المتوسط والساحل تجعل القرارات التي تتخذها مدريد تجاه أحد الجارين قابلة للقراءة من الآخر.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للسياسة الإسبانية الجديدة.
من المبكر وصف ما حدث بأنه أزمة إسبانية جزائرية جديدة، وقد يعود الاجتماع إلى الأجندة خلال أسابيع أو أشهر.
لكن التأجيل يكشف فارقا أصبح واضحا بعد أربع سنوات من التحولات.
العلاقة الإسبانية المغربية تجاوزت مرحلة استعادة الثقة إلى تراكم مؤسساتي ومصالح متشابكة، بينما لا تزال العلاقة مع الجزائر، رغم التقارب الأخير، تستعيد ما فقدته منذ 2022.
وكانت قمة أكتوبر ستمنح هذه العودة ختمها المؤسساتي.
تأجيلها لا يعني انهيار المسار، لكنه يؤجل هذه اللحظة.
لذلك سيكون الموعد الجديد للقمة، عندما يحدد، أكثر أهمية من خبر التأجيل نفسه.
فبعد أربع سنوات، لم تعد إسبانيا تبحث عن الاختيار بين الرباط والجزائر.
إنها تبحث عن طريقة للاحتفاظ بعلاقاتها مع البلدين، وتأجيل قمة أكتوبر يذكر مدريد بأن تركيب هذه المعادلة أسهل على الورق منه في الجغرافيا السياسية.


