أربعة مجالس تفوض قياداتها.. أي أغلبية تقود حكومة المنصوري؟

انتقلت عملية تشكيل الحكومة من مرحلة المشاورات الأولية إلى المفاوضات السياسية، بعدما منحت المجالس الوطنية لأربعة أحزاب قياداتها صلاحية تدبير شروط المشاركة وبناء الأغلبية التي ستقودها فاطمة الزهراء المنصوري.

وتكشف المخرجات الرسمية لاجتماعات الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية اختلافا في درجات الحسم، بين حزب متصدر يحتفظ بقرار اختيار شركائه، وأحزاب أعلنت استعدادها للمشاركة، مع تفاوت في الشروط والرسائل السياسية المصاحبة لذلك.

ولا تبحث المنصوري عن بلوغ عتبة 198 مقعدا فقط، بل عن أغلبية مريحة وقابلة للاستمرار، تمنح الحكومة الجديدة هوية سياسية واضحة، ولا تظهر وكأنها مجرد إعادة توزيع للمناصب بين مكونات المرحلة السابقة.

البام يضع قرار المفاوضات كاملا بيد المنصوري

منح المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة فاطمة الزهراء المنصوري تفويضا كاملا لتدبير مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة بكل تفاصيلها، من اختيار الشركاء إلى التوافق حول البرنامج وتوزيع المسؤوليات.

وبذلك أبقى الحزب قرار هندسة الأغلبية بيد رئيسة الحكومة المعينة، من دون تحديد الأحزاب التي يفضل إشراكها أو الجهات التي يمكن استبعادها، مانحا المنصوري هامشا واسعا للمفاضلة بين الصيغ الممكنة.

واعتبر المجلس الوطني أن تصدر الحزب للانتخابات يعكس، وفق قراءته، تجذر مشروعه السياسي ورغبة مجتمعية في التغيير والإصلاح. كما ربط النتيجة بأداء وزرائه خلال التجربة الحكومية السابقة وبالبرنامج الانتخابي الذي قدمه للناخبين.

وأشاد الحزب بالظروف التي مرت فيها الانتخابات، معتبرا أن الانزلاقات المسجلة ظلت محدودة وأصبحت موضوع أبحاث قضائية وإدارية. وهو موقف يختلف في نبرته عن أحزاب أخرى توقفت عند بعض الخروقات أو عند ضعف المشاركة وأزمة الثقة في المؤسسات.

ويمنح تصدر الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا المنصوري موقعا قويا في المفاوضات، لكنه لا يعفيها من الحاجة إلى شركاء يوفرون 101 مقعد إضافي على الأقل لبلوغ الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب.

الأحرار يعرض المشاركة والاستقلال يرفع شروط الانسجام

كان التجمع الوطني للأحرار أكثر وضوحا في إعلان رغبته في دخول الحكومة، بعدما عبر مجلسه الوطني عن استعداد الحزب للمشاركة، وفوض رئيسه محمد شوكي تدبير هذه المشاركة وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية.

ودافع الأحرار عن حصيلة الحكومة التي قادها عزيز أخنوش، معترفا في الوقت نفسه بالتراجع الذي سجله في الانتخابات وبالكلفة السياسية التي ترتبت عن خمس سنوات من التدبير الحكومي.

وبحصوله على 66 مقعدا، يظل الحزب شريكا يمنح المنصوري أغلبية مريحة بأقل عدد ممكن من المكونات. فإضافة الاستقلال إلى الأصالة والمعاصرة والأحرار ترفع التحالف إلى 228 مقعدا.

أما حزب الاستقلال، فقد منح مجلسه الوطني نزار بركة تفويضا كاملا لتدبير المفاوضات المتعلقة بالمشاركة في الحكومة، بعدما حصل الحزب على 65 مقعدا، بفارق مقعد واحد فقط عن صاحب المركز الثاني.

ولا يدخل الاستقلال المفاوضات بوزنه البرلماني وحده. فقد حصل، بحسب المعطيات التي قدمها أمينه العام، على نحو 751 ألف صوت في اللوائح المحلية و753 ألف صوت في اللوائح الجهوية، محتلا المرتبة الثانية وطنيا من حيث عدد الأصوات.

ويريد الحزب حكومة سياسية قوية ومنسجمة، تقوم على أقطاب قطاعية متجانسة وقواعد واضحة، مع إعطاء الأولوية للتشغيل ومحاربة البطالة وتقوية القدرة الشرائية وإدماج الشباب وتطوير الدعم الاجتماعي ومحاربة الفساد.

ويمنح هذا الموقع الاستقلال قدرة تفاوضية مهمة، خصوصا أن بناء أغلبية تستبعد الأحرار سيكون صعبا من دون مشاركته.

الحركة تعرض مقاعدها وامتدادها الترابي

بدورها، منحت الحركة الشعبية أمينها العام محمد أوزين تفويضا كاملا لمواصلة المشاورات بشأن إمكانية مشاركة الحزب في الحكومة المقبلة.

وربط أوزين دخول الحركة بمدى استجابة البرنامج الحكومي للالتزامات التي قدمها الحزب خلال الانتخابات، مؤكدا أن المشاركة لا ينبغي أن تختزل في الحصول على الحقائب الوزارية.

ويمتلك الحزب 29 مقعدا، وهو رقم لا يصنع الأغلبية بمفرده، لكنه يتحول إلى كتلة مؤثرة إذا قررت المنصوري بناء تحالف لا يضم التجمع الوطني للأحرار.

فالجمع بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية يمنح 191 مقعدا فقط، أي أقل بسبعة مقاعد من الأغلبية المطلقة. ولذلك يحتاج هذا الثلاثي إلى حزب رابع لتأمين تنصيب الحكومة وتوفير هامش يحمي عملها التشريعي.

وتضيف الحركة إلى مقاعدها امتدادا ترابيا داخل عدد من الدوائر القروية والجبلية، بما يسمح للحكومة بتوسيع تمثيلها الجغرافي، إذا جرى ربط المشاركة بأولويات التنمية المجالية والعالم القروي.

عودة الأحرار تعيد التحالف السابق

حسابيا، تبدو إعادة التحالف الحكومي السابق أسهل صيغة أمام المنصوري. فالأصالة والمعاصرة والأحرار والاستقلال يجمعون 228 مقعدا، وهي أغلبية مريحة تتكون من ثلاثة أحزاب راكمت خمس سنوات من العمل المشترك.

لكن سهولة الحساب لا تلغي الكلفة السياسية. فهذه الصيغة ستعيد المكونات نفسها التي أدارت المرحلة الماضية، مع انتقال رئاسة الحكومة من التجمع الوطني للأحرار إلى الأصالة والمعاصرة.

وقد ارتبطت الحكومة السابقة، في نظر قطاعات من المواطنين، بارتفاع الأسعار وضغوط القدرة الشرائية وصعوبات التشغيل وجودة عدد من الخدمات العمومية، رغم دفاع أحزابها عن حصيلتها في الحماية الاجتماعية والاستثمار والبنيات الأساسية.

كما أن نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 38 في المائة تضع أزمة الثقة في قلب المرحلة الجديدة. ومن شأن إعادة التركيبة نفسها، من دون مراجعة واضحة للأولويات وطريقة التدبير، أن تمنح الانطباع بأن الانتخابات غيرت الحزب الذي يقود الحكومة من دون أن تغير مضمون التحالف.

وقد يعمق هذا الانطباع العزوف السياسي، إذا شعر جزء من الناخبين بأن اقتراع 23 شتنبر لم ينتج أثرا سياسيا ملموسا، وأن الأحزاب أعادت توزيع الأدوار بينها من دون استخلاص دروس السنوات الخمس الماضية.

ولا يعني ذلك أن الأحرار فقد مشروعية المشاركة. فالحزب حل ثانيا بـ66 مقعدا، ويملك كتلة برلمانية وازنة، كما أعلن صراحة استعداده لتحمل المسؤولية من داخل الحكومة.

لكن المنصوري ستجد نفسها أمام مفاضلة بين الراحة العددية التي توفرها عودة الأحرار، والحاجة إلى تقديم إشارة سياسية تفيد بأن انتقال الصدارة ترتب عنه تغيير في هندسة الأغلبية وأولوياتها.

أربعة أحزاب قد تكون أفضل من ثلاثة

إذا اختارت المنصوري عدم إعادة التحالف السابق، فإن الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية سيحتاجون إلى حزب رابع.

ويبرز الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بوصفه الخيار الأقوى حسابيا. فإضافة مقاعده الـ26 إلى مقاعد الأحزاب الثلاثة ترفع الأغلبية إلى 217 مقعدا، بفارق 19 مقعدا عن العتبة المطلوبة.

أما دخول حزب التقدم والاشتراكية، الحاصل على 19 مقعدا، فيرفع التحالف نفسه إلى 210 مقاعد، أي بفارق 12 مقعدا عن الأغلبية المطلقة.

وتمنح الأرقام أفضلية للاتحاد الاشتراكي، لأن مشاركته توفر هامشا برلمانيا أوسع في مواجهة الغيابات والخلافات والتصويت على القوانين، كما تسمح بتشكيل أغلبية تجمع بين امتدادات سياسية وترابية مختلفة.

غير أن هذه السيناريوهات تظل حسابية إلى أن تتضح مواقف الحزبين وشروطهما. فدخول الحكومة لا تحدده المقاعد وحدها، بل يتوقف على البرنامج والقطاعات المعروضة وقدرة كل حزب على تبرير انتقاله إلى الأغلبية أمام قواعده وناخبيه.

وتبدو الحكومة الرباعية أكثر أمانا من أغلبية ثلاثية ضيقة. فهي توسع الحزام البرلماني حول الحكومة وتقلل قدرة الخلافات الداخلية على تعطيل قراراتها، حتى وإن كانت تجعل مهمة بناء الانسجام أكثر تعقيدا.

وبين إعادة التحالف السابق وتشكيل أغلبية رباعية جديدة، لا تبحث المنصوري عن الرقم 198 فقط. إنها تبحث عن صيغة تجمع الاستقرار العددي ورسالة التغيير، وتمنح حكومتها القدرة على الاشتغال من دون أن تجعل كثرة الشركاء مصدرا دائما للتجاذب.

لقد انتهت مرحلة إعلان الرغبة في المشاركة وبدأت مرحلة التفاوض على مضمونها. ومن الآن فصاعدا، لن يكون السؤال من يريد دخول الحكومة، بل أي تحالف يستطيع الجمع بين أغلبية مستقرة وحكومة مختلفة وقادرة على استعادة جزء من الثقة التي غابت عن صناديق الاقتراع.

مساحة إعلانية متاحةspot_imgspot_img