تفتح هاتفك لمعرفة آخر تطورات خبر ما. تقرأ منشورا، ثم تنتقل إلى فيديو، وبعده إلى تعليق، ثم خبر آخر أكثر إثارة للقلق. وبعد نصف ساعة تكتشف أنك لا تعرف بالضرورة أكثر مما كنت تعرفه في البداية، لكنك أصبحت أكثر توترا.
هذا السلوك أصبح يعرف باسم التصفح القهري للأخبار السلبية (Doomscrolling)، ويقصد به الاستمرار بصورة متكررة أو قهرية في تصفح الأخبار والمعلومات السلبية أو المقلقة، مع صعوبة التوقف حتى عندما يصبح المحتوى مصدرا للضيق.
ومع الحروب والأزمات الاقتصادية والكوارث والتوترات السياسية التي تصل إلى الهاتف لحظة بلحظة، أصبح الانتقال من الرغبة الطبيعية في معرفة ما يحدث إلى الاستهلاك المستمر للأخبار أكثر سهولة.
لكن ماذا يحدث عندما تتحول متابعة الأخبار إلى عادة يصعب إيقافها؟
نبحث عن الطمأنينة فنجد مزيدا من القلق
جزء من المفارقة أن الإنسان قد يستمر في البحث لأنه يريد تقليل حالة عدم اليقين.
عندما يقع حدث كبير، نريد أن نعرف ماذا حدث، وماذا سيحدث لاحقا، وهل نحن أو من نهتم بهم في أمان. وكل معلومة جديدة تمنح إحساسا مؤقتا بأننا أصبحنا أكثر سيطرة على الوضع.
لكن البيئة الرقمية لا تقدم دائما نهاية واضحة لهذا البحث.
التحديث لا يتوقف، والمنشورات لا تنتهي، والخوارزمية تستطيع تقديم محتوى جديد في كل مرة نحرك فيها الشاشة.
وخلصت مراجعة علمية حديثة للأبحاث المتاحة حول التصفح القهري للأخبار السلبية إلى أن الظاهرة ترتبط بصورة متكررة بالقلق والاكتئاب والتوتر وانخفاض المرونة النفسية، لكنها نبهت أيضا إلى أن معظم الدراسات الحالية قائمة على الارتباط ولا تسمح بالجزم بأن التصفح القهري هو الذي يسبب هذه المشكلات مباشرة.
وتعزز ذلك مراجعة منهجية وتحليل تلوي جمع 44 دراسة، ووجد ارتباطا بين التصفح القهري وكل من القلق والاكتئاب والضيق النفسي وانخفاض الرضا عن الحياة.
لكن الباحثين أنفسهم صنفوا درجة اليقين في الأدلة بأنها منخفضة جدا بسبب اختلاف الدراسات واعتماد كثير منها على قياس السلوك والصحة النفسية في اللحظة نفسها.
بمعنى آخر، الأشخاص الأكثر قلقا قد يكونون أكثر ميلا إلى التصفح المستمر، والتصفح المستمر قد يزيد بدوره المشاعر السلبية. والعلم لم يحسم بعد حجم كل اتجاه في هذه العلاقة.
المشكلة ليست في الأخبار وحدها
الفرق بين قراءة الأخبار والتصفح القهري مهم.
متابعة الأحداث ليست في حد ذاتها سلوكا ضارا. المشكلة تبدأ عندما يفقد المستخدم القدرة على تحديد متى حصل على ما يحتاج إليه من المعلومات ومتى ينبغي أن يتوقف.
وهنا تدخل طريقة تصميم المنصات.
فالتمرير اللانهائي، والإشعارات، والتوصيات الخوارزمية، والمحتوى الذي يثير الخوف أو الغضب، كلها تجعل الانتقال إلى المادة التالية شبه تلقائي.
وتشير مراجعات حديثة للأبحاث إلى أن التصفح القهري لا يرتبط فقط بمحتوى الأخبار السلبي، بل أيضا بآليات تكوين العادات وبالتدفق الخوارزمي المستمر للمحتوى.
حتى الإشعار الصغير الذي يظهر أعلى شاشة الهاتف ليس محايدا تماما.
وأظهرت دراسة تجريبية حديثة نشرت في دورية Computers in Human Behavior أن إشعارات الشبكات الاجتماعية أحدثت تباطؤا مؤقتا في المعالجة الذهنية لدى المشاركين استمر نحو سبع ثوان، وكان التأثير أكبر لدى الأشخاص المعتادين على تفقد هواتفهم بصورة متكررة.
والمثير أن عدد مرات التفاعل مع الهاتف كان أكثر أهمية في هذا التأثير من إجمالي عدد الساعات التي يقضيها الشخص أمام الشاشة.
المزيد من الأخبار لا يعني دائما المزيد من الفهم
هنا تظهر مشكلة أخرى.
في حدث سريع، قد يقرأ المستخدم عشرات المنشورات التي تعيد المعلومة نفسها بصيغ مختلفة، أو يشاهد عشرات المقاطع التي تحتوي على أجزاء غير مكتملة من القصة.
فيبدو أنه يجمع معلومات، بينما هو في الواقع يستهلك تكرارا مستمرا للمعلومة نفسها مصحوبا بجرعات جديدة من الانفعال.
وقد تزيد شبكات التواصل المشكلة لأن الخبر لا يصل منفردا؛ يصل معه التعليق والصورة والفيديو وردود الفعل والتكهنات، ثم تقدم الخوارزمية محتوى آخر مشابها.
لذلك يصبح السؤال المفيد ليس: كم خبرا قرأت اليوم؟
بل: هل المعلومات الجديدة غيرت فعلا فهمي لما يحدث؟
إذا أصبحت الإجابة «لا»، بينما يستمر التصفح، فقد يكون المستخدم قد انتقل من البحث عن المعلومات إلى الدوران داخلها.
هل الحل هو إغلاق الهاتف؟
ليس بالضرورة.
الانسحاب الكامل من الأخبار غير واقعي لكثير من الناس، وقد يكون غير مرغوب فيه أصلا. ويمكن تقليل الاستهلاك الرقمي دون التحول إلى عزلة معلوماتية.
وتشير تجربة عشوائية أجريت في ألمانيا على 443 مستخدما للشبكات الاجتماعية إلى أن تقليل الاستخدام اليومي بنصف ساعة لمدة أسبوعين ارتبط بانخفاض أعراض الضغط النفسي وبعض أنماط الاستخدام الإدماني، بينما ظهرت نتائج أفضل في بعض المؤشرات عندما جُمع تقليل الاستخدام مع تمارين اليقظة الذهنية.
وفي تجربة عشوائية أخرى، أدى خفض وقت استخدام الهاتف الذكي لمدة ثلاثة أسابيع إلى تحسن في مؤشرات مرتبطة بالتوتر والنوم والرفاه النفسي والأعراض الاكتئابية، وإن كان وقت الشاشة قد بدأ في الارتفاع مجددا بعد انتهاء التدخل.
وهذا يكشف صعوبة المسألة: ضبط الاستخدام لفترة قصيرة أسهل من تغيير العادة نفسها.
تابع الخبر في مواعيد لا طوال اليوم
من النصائح التي يقدمها مختصون تحدثت إليهم الجمعية الأمريكية لعلم النفس تحويل متابعة الأخبار من نشاط مستمر إلى نشاط له حدود.
بدلا من فتح التطبيقات كلما وصل إشعار، يمكن تحديد أوقات معينة لمتابعة التطورات، وإيقاف الإشعارات الإخبارية غير الضرورية، وعدم حمل الهاتف إلى المائدة أو السرير، وتحديد مدة مسبقة لتصفح الشبكات الاجتماعية.
لكن هناك خطوة أخرى لا تحتاج إلى إعدادات الهاتف: اختيار المصدر.
فمتابعة ثلاثة مصادر موثوقة في أوقات محددة قد تمنح فهما أكبر من التنقل طوال اليوم بين عشرات الحسابات والمنشورات ومقاطع الفيديو.
والفرق هنا بين أن تبحث أنت عن المعلومة، وأن تترك الخوارزمية تقرر إلى متى ستظل تبحث.
الهاتف ليس المشكلة كلها
من السهل اختزال النقاش في عبارة «استخدم هاتفك أقل»، لكن الدراسات الحديثة تقدم صورة أكثر تعقيدا.
ليس كل وقت أمام الشاشة متساويا. قراءة كتاب، والحديث مع صديق، والعمل، ومتابعة عشرات المقاطع المقلقة قد تظهر كلها في الهاتف تحت خانة «وقت الشاشة»، لكنها ليست التجربة النفسية نفسها.
كما أن الأشخاص يختلفون في استجابتهم للأخبار، وتختلف الظروف باختلاف الحدث والمرحلة العمرية والحالة النفسية.
لذلك لا يوجد رقم سحري من الدقائق يجعل متابعة الأخبار صحية أو غير صحية.
المؤشر الأبسط قد يكون ما يحدث بعد إغلاق الشاشة.
إذا خرجت من متابعة الأخبار بفهم أوضح لما حدث، فقد أدت المعلومة وظيفتها.
أما إذا كنت تعرف التفاصيل نفسها تقريبا، لكنك أصبحت أكثر توترا وما زلت تشعر بأن عليك فتح الهاتف مرة أخرى بعد دقيقة، فربما لم تعد تبحث عن خبر جديد.
ربما أصبحت تبحث عن نهاية لصفحة صممت كي لا تنتهي.


